وأما العلم فمعناه: الإحاطة بحقائق الأشياء، دون الجزاء عليها؛ فهو ليس صفة تأثير كالقدرة وإنما هو صفة انكشاف وإحاطة وعلم الله: يطلق على إحاطته تعالى بحقائق جميع مخلوقاته، وما تقضي به مشيئته من نظام قضائه وقدره، وما يريده تعالى وما لا يريده، وما ينتهي إليه مصير كل شيء، {أحاط بكل شيء علمًا} وهو مما انفرد به سبحانه ودونه عنده في لوحه المحفوظ، وكل ما كتب فيه لا بد أن يكون وينفذ، وإنما أخبرنا جل وعلا بأن من شأنه تعالى وحده أن يغير ويبدل في ذلك اللوح ما يشاء، فلا راد له، ولا معارض حيث يقول {لكل أجل كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} ولا دخل لهذا العلم بالمشيئة أو الإرادة إذ هو لا يحد من سلطان الله وقدرته، ولا يعطل إرادته أو يحول دون تنفيذه ما يرضيه، ولا يمكن أن يمنع رحمته عمن يريد من عباده، فالإرادة والرحمة من الصفات الثابتة لذات الله، الدائمة بدوامه، المرتبطة بما كتبه على نفسه نحو عباده، وجعله معلقًا على أعمالهم، وأمر رسوله في القرآن أن يبلغه إليهم بقوله: {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلامٌ عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءًا بجهالةٍ ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفورٌ رحيمٌ} . وقال صلى الله عليه وسلم: «لما خلق الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش أن رحمتي تغلب غضبي» فكل ما يحصل من التغيير والتبديل، والمحو والإثبات، بسبب الإرادة والرحمة ما هو إلا نتيجة لما أخذه الله على نفسه، وجرى به قلمه في أزله، وجفت به الصحف.
وقد وضحت هذا بتفصيل واسع في كتابي «أسمى الرسالات» ورسالة «هل الله مستبد» والله أعلم.
النوع الثالث: من سيئات بني إسرائيل، ومطاعنهم ضد الإسلام: ما كان موجهًا إلى كتابه الكريم، وذلك أنهم كانوا يقولون ألا ترون محمدًا يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه، ويأمر بخلافه. ويقول اليوم قولًا ثم يرجع عنه غدًا؟ فأراد الله الرد على فريتهم وعلى طعنهم هذا بقوله {ما ننسخ من آيةٍ} أي نبدلها بآية أخرى {أو ننسها} بأن نأمر بعدم تلاوتها فتنسى ويبطل حكمها حتى {نأت بخيرٍ منها أو مثلها} أي إذا شددنا في أمر لحالة تستدعي التشديد ثم أزيلت تلك الحالة فمن الحكمة أن نعمد إلى التخفيف؛ وإذا تساهلنا في أمر لظروف خاصة. اقتضت ذلك ثم زالت تلك الظروف، وجب أن نعدل إلى ما فيه المصلحة والخير العام. وذلك