الصفحة 78 من 1760

باختياره، ومنا المؤمن الذي يلتزم هدى ربه عن رغبة منه من غير إكراه. فللأول عقابه وللثاني ثوابه والله عنده حسن الثواب.

ونحن في الحالين سائرون ضمن دائرة سنن الله التي لا يستطيع أحد بفطرته أن يخرج عنها، حيث يقول تعال: {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان} . ونحن في الحالتين لم نسلك طريقًا خارجًا عن مشيئة الله وضمن ما قضاه لنا من حياة، وقدره لنا من أحكام، فإذا ما استل رجل سكينًا مثلًا وضرب بها آخر فقتله فإنه بعمله هذا لم يخرج عن كونه إنما قتل بما أودع الله فيه من قوة الروح التي جعلته يتحرك والتي هي من قضاء الله كما أنه بالضرب بالسكين لم يكن إلا بقدر الله لأنه اتبع في ذلك حكم القدر الذي جعل الضرب بالسكين يؤدي إلى القتل وهذا هو معنى قوله: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله} وقوله {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله} لا كما يتصوره البعض من أن المراد بالقدر هو ما قدره الله على ذلك الإنسان بعينه من ارتكاب جريمة القتل. وقد ورد في السنن أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى نسترقي بها وتقاة نتقي بها. هل ترد من قدرة الله شيئًا فقال «هي من قدرة الله» وكذلك قول عمر لأبي عبيدة عندما قال له: «أتفر من قدر الله» يعني الطاعون فقال: «أفر من قدر الله إلى قدر الله» .

أجل فالله سبحانه وتعالى إذ خلق الإنسان وفضله على كثير من خلقه تفضيلًا، ومنحه ملكة العقل والتمييز، والعلم بخواص الأشياء، لم يحل دونه ودون الاستفادة من كل تلك المواهب، وأبى أن يبخل عليه بأعظم نعمة في الحياة وهي نعمة الحرية في العقيدة، والقصد والقول والعمل. وقد جعل الله له الحق الكامل في أن يقرر أمر نفسه في الحياة، ومصيره بعد الممات على ضوء ما وضعه الله تعالى للمخلوقات من سنن، وما شرعه لهم من شرائع، دعاهم فيها إلى الهدى، ومزاولة الأسباب النافعة للدنيا والآخرة، حيث يقول تعالى: {قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلًا} ويقول {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى} ويقول: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت