العمل ما يكون وسيلة للرزق وسبيلًا للسعادة فلا بد أن يكون لكل مجتهد نصيب من ذلك، وهو الذي يخبرنا بأن من سلك سبيل الضلال فجزاؤه جهنم، ومن أحسن فله الجنة، فلا بد من ذلك. فهذه الأحكام الشرطية التي هي بمثابة القوانين العامة تعد قدرًا، وتنفيذ مقتضاها الذي هو بمثابة الحكم يسمى قضاء.
والله جل وعلا قد هدانا النجدين لا مناص لنا من اتباع أيهما، وقرر في دستوره الخالد مبدأ العدل المطلق. فمن أساء فعليه وزره، ومن أحسن فله الحسنى وزيادة. وللمجتمع البشري أن يختار لنفسه كأفراد وكجماعات متكاملة، فإما اتباع لدستور الله وهناك السعادة الموعودة في الدنيا والآخرة، وإما نأي عنها وذلك ظلم الناس أنفسهم مضر بهم في الدارين.
ولا محل للقول إنه ما دام الله قد وضع دستورًا للناس فقد أشاءهم عليه وحملهم على تنفيذه دون الامتناع عنه لأنه قادر على كل شيء. فذلك قول ظاهر الاعتساف، بين الخطأ، فهو لم يضع الدستور إلا ليبين الخطأ من الصواب ويجزي الناس بمقتضاه. ولا سبيل بعد إعلانه، {ومن أصدق من الله قليلًا} فالحقيقة التي جرينا عليها في تفسيرنا لهذه الكلمات أني وجدت، والتي يجب أن يفهمها الناس، ويهتدوا بهديها هي: أنه سبحانه وتعالى أراد للناس أن يحيوا، والحياة تقتضي الحركة، وهي التي أشاءهم الله عليها، وخلقها لهم، ومنّ عليهم بها بقوله: {والله خلقكم وما تعملون} أي خلقكم وخلق حركاتكم وهي من القسم الأول الذي قضى به الله، وأخفى أمره عن الناس، فلا يؤاخذهم عليها، ولكل حركة اتجاه، وهذا هو ما ترك الله لعباده حرية الاختيار فيه، فإما إلى يمين وخير وبركة وحسن جزاء، وإما إلى شمال وشر وضلال وسوء منقلب؛ وهذا من القسم الثاني الذي أنذرهم به سبحانه وسيحاسبهم عليه. وما وضع الدستور إلا ليختار الناس لأنفسهم، إذ هم مفطورون على أن يريدوا لأنفسهم ويختاروا، وما حدد الله طريق الخير والشر إلا لأنه أراد لنا أن نتبع الأول ونتجنب الآخر. فإن اخترنا لأنفسنا ما لا يحب الله لنا فذلك مرده إلينا ولا شك، إذ هو نتيجة للحرية التي قررها الدستور الإلهي، وليس نتيجة الدستور نفسه. ولا شك أن من اهتدى أو عصى فإنما يسير حسب مقتضى الدستور، وخضوعًا للمشيئة الإلهية العليا، إذ يقول تعالى: {وهو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} وذلك أمر الله الذي لا مرد له، منا الكافر الذي يعصي الله