الصفحة 783 من 1760

تفويض الله أمر الإيمان إلى مشيئة الإنسان نفسه، وبهذا انقسموا إلى قدرية وجبرية ومعتزلة وغيرهم ممن يقول بأن الله هو الذي شاء لهم الكفر من تلقاء نفسه فلا سبيل لإيمانهم مهما عملوا من الصالحات إذ لو أراد لهم الإيمان لشاءهم عليه الأمر الذي يتنافى مع ما أثبته تعالى لعبيده من كسب واختيار {وكذلك} أي كما أن كل شيء يجب أن يكون وفق مشيئة الله الأزلية {جعلنا} أي قضت مشيئتنا أيضًا أن يكون {لكل نبي عدوًّا} يقاوم دعوته ويزيف أقواله {شياطين} أي يمثلون دور الشياطين من {الإنس والجن} أي من كلا الفريقين حيث {يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا} أي ينمقون لهم الأقوال ويزينون لهم العصيان ليخدعوهم ويغرروهم ويوقوعهم في الإثم كما فعل إبليس مع آدم فزين له القرب من الشجرة التي نهاه الله عنها تمامًا {ولو شاء ربك} منذ الأزل أن يكون الناس مجبورين مسخرين مقهورين لتنفيذه ما يريده منهم وما يأمرهم بفعله {ما فعلوه} أي ما استطاعوا أن يعادوا رسله ويعملوا على إيقاع عباده في العصيان ولكن مشيئته تعالى قد قضت بغير هذا إذ منحت الجن والإنس كامل الحرية في القول وأن يكونوا مخيرين في جميع تصرفاتهم كل التخير، بدليل أن إبليس اللعين قد استغل هذا الحق الذي منحه الله فأبى أن يسجد لآدم فلم يعجل الله له العذاب بل منحه من السلطان وكامل الخيار ما زاد في طغيانه حيث قال {واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا} وكان هذا بمثابة إشعار للخلق أجمعين بأن من حق كل واحد من الجن والإنس أن يسلك سبيل إبليس في أن يزين للآخرين الضلال والكفر، وبهذا يتبين أن عداوة بعض الناس للرسل ومقاومتهم للدعوة إلى الله لم تكن إلا بمشيئة الله لا خارجة عن قضائه وقدره ولا معارضة لسننه {فذرهم} أي دع الذين يعادون رسل الله يتصرفون ضمن دائرة الخيار الممنوحة لهم {وما يفترون} من إفك يوحي به بعضهم لبعض ليصرفوا الناس عن الحق ولا تعبأ بهم ولا تعجب من أمرهم ولا تعترض عليهم فذلك حق من حقوقهم واستقم كما أمرت فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب والجزاء {ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة} أي ودع منكري البعث يصغون لما يفتري أولئك القوم ولا يهمك من أمرهم شيئًا فإن صدقوهم فعليهم وزرهم {وليرضوه} أي ليصدقوا افتراءهم ويؤثروه على ما أنزل عليك من الكتاب إذا أرادوا {وليقترفوا} أي ليكتسبوا ويجنوا لأنفسهم {ما هم مقترفون} أي ما هم بسبيله أو ما توصلهم إليه أعمالهم فلست عليهم بوكيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت