الصفحة 782 من 1760

لقد عرّف الله الناس في الآيات السابقة بذاته العلية وأمر رسوله أن يشعرهم بما منحه لهم من كامل الحرية وأن يدعوهم إلى الله في حدود تبليغ ما أوحى به إليه والإعراض عمن أبى من المشركين وأفهمه أن شركهم لم يكن إلا نتيجة للحرية التي منحها سبحانه لهم ونهى عن التعرض للعقائد الباطلة والداعين إليها بالطعن والسباب لأن ذلك من شأنه أن يثير روح الغيرة والحمية في النفوس وينحرف بالدعوة عن مقاصدها إلى التطاحن الشخصي نتيجة لسنن الله في الخلق وما فطر عليه الناس من طبائع متأصلة فيهم كالعناد وتقليد الآباء وعدم الإذعان للحق مما يؤدي إلى الكفر بحسب دستور الله أو أحكامه القدرية ثم أخذ سبحانه وتعالى منا يوضح حقيقة أخرى هي أن تلك الأحكام القدرية لا تكتسب القطعية والنفاذ إلا بعد تصديقها والموافقة عليها منه جل وعلا بمعنى أن مزاولة الأسباب الظاهرة لا تقتضي الوصول إلى الغاية إلا بإذن الله إذا أراد نفذ سننه وأمضى قدره وقال للشيء كن فيكون وإلا غلبت رحمته عدله فحالت دون نفاذ مقتضى قدره فله الأمر من قبل ومن بعد وله الخيار الكامل في استعمال ما يريد من عدل أو رحمة كلاهما من فضله فلا ينبغي أن يقال أو يظن أنه يكفي لحصول الإيمان في القلوب أن يشهد الناس بأعينهم خوارق العادات كما زعموا {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها} بل لا بد من إذن الله بقبولهم في زمرة المؤمنين فقال {لو أنزلنا إليهم الملائكة} ورأوها بأعينهم وسمعوا بشهادتها لك بالرسالة {وكلمهم الموتى} الذين لا ينطقون عادة وقرروا أمامهم أنك رسول الله إليهم {وحشرنا عليهم كل شيء} من أنواع المخلوقات {قبلًا} بضم القاف والباء وقرئ بكسر القاف وفتح الباء جمع سبيل ويراد به الكفيل أي جمعنا كل ذلك وجعلناه مقابلًا لهم أو كافلًا لإثبات رسالتك وإقناعهم بالإيمان بما جئت به {ما كانوا ليؤمنوا} بالله كما زعموا {إلا أن يشاء الله} أي إلا أن يأذن الله لهم بالدخول في الإيمان بناء على ما يعلمه تعالى من حقيقة أمرهم ومبلغ رغبتهم في اعتناقه وتطبيقهم لدستوره الذي يقضي بأنه لا بد لمن أراد الإيمان أن يعمل لطلبه حيث إن الله تبارك وتعالى قد فوض هذا الأمر إلى ما يشاء الإنسان لنفسه من كفر وإيمان يترتب عليه العقاب والجزاء حيث قال {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} . {ولكن أكثرهم} أي أكثر الناس {يجهلون} هذه الحقيقة فيزعم بعضهم أن وجود الدلائل كاف لقناعة الوجدان، وأن العقل وحده يهدي للإيمان، من غير دخل لرضاء الله واتباع لسنته في نيل الغفران، ولم يدرك الآخرون معنى المشيئة وخلطوا بينها وبين الإرادة وتجاهلوا ما قضت به مشيئة الله من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت