المقصودة من الكلمات، فلكل كلمة في القرآن مدلولها، ومرماها البعيد، وإن غم علينا شيء من ذلك فالله أعلم بمراده منه، فلا بد أن تكون المشيئة غير الإرادة، وهذه غير العلم، فالإرادة في اللغة اسم يوضع موضع الارتياد ومحلها القلب. فهي بمعنى الرغبة المضمرة والخفية في النفس يقال أراد الشيء: عزم عليه أو عني به قبل أن ينفذه. ومتى تجاوزت ذلك إلى حد التعبير عنه بالقول كانت طلبًا أو إلى حد التنفيذ بالفعل كانت مشيئة، وعلى هذا فإن إرادة الله الحقيقية سر من أسراره الخفية التي لا يعلم بها، ولا بأسرارها أحد سواه، وإنما تنقسم في ظاهرها إلى قسمين: إرادة كونية قدرية وهي التي سبقت مشيئته تعالى بخلق جميع الكائنات، وما سن لها من نظام قضائه وقدره، وإرادة دينية أمرية: وهي تتعلق بما يحبه الله لعباده. وما يرضاه منهم من عمل صالح، فصله لهم وأرشدهم إلى سبيله، وطريق الوصول إليه في كتبه، وعن طريق رسله.
ومتى تعلق بشيء صدر به أمر خاص في أي وقت من الأوقات فلا يقف في طريق تنفيذه شيء؛ وفقًا لقوله تعالى: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} وهي فضل من الله يشمل به من يصطفي من عباده بالمعونة، وتفريج الكروب، والنصر على الأعداء، نتيجة لجوء العبد إلى ربه بالقول والعمل وفقًا لقوله تعالى: {وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده هو الغفور الرحيم} , وتنفيذ مقتضى الإرادة إما أن يكون خارقًا للنظام والسنن فهي إرادة كونية من باب القضاء كما في قوله تعالى: {فقلنا يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم} . أو متمشيًا مع أحكام القدر بحسب ما تنقاد إليه الموجودات بفطرتها، وبمباشرتها للأسباب عن قصد وبغير قصد، فتكون إرادة دينية من باب القدر. ومشيئة الله هي أحكامه التي يحمل المخلوقات عليها حملًا. يقال في اللغة: أشاءه إلى كذا - ألجأه إليه - وشيأته على الأمر - حملته عليه. وهي تشمل جميع ما يحبه الله وما يكرهه، فكلاهما داخل تحت مشيئته. وهذه المشيئة هي الدستور الإلهي الذي وضعه الله بما يلائم - مع استعداد وقدرة - جميع المخلوقات للسير بمقتضاه، والذي أذاعه على عباده لينفي عن ذاته صفة الاستبداد والظلم، ويمنع بمقتضاه الفوضى والعدوان على الحقوق، ويؤاخذ الناس على أعمالهم بحسب مواده وأحكامه. وينقسم هذا الدستور إلى قسمين اثنين: أمر كوني قدري، وأمر ديني شرعي.