الصفحة 74 من 1760

الكتاب من الإسرائيليين، {ولا المشركين} من غيرهم، {أن ينزل عليكم من خير من ربكم} ولكن الله سبحانه وتعالى قد منَّ عليكم بأعظم الخيرات وهو القرآن لأنه النظام الكامل، والهداية العظمى التي وحدت شعوبكم، وهذبت نفوسكم، وأعلت كلمتكم، ورقت مدارككم، وأزالت الحقد والضغائن من بينكم {والله يختص برحمته من يشاء} فاعل يشاء عائد إلى أقرب مذكور وهو العبد لا إلى الله كما جرى عليه سائر المفسرين، والمعنى أن دستور الله يقضي بأن الله يختص برحمته كل من يشاؤها بطلبها ورجائها، وتلمس مقتضياتها، من الخوف والندم وحسن النية، وشيء من صالح العمل بحيث يكون أهلًا لها إذ يقول تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم يآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي} {والله ذو الفضل العظيم} يغفر الزلات ويضاعف الحسنات. قال تعالى في الحديث القدسي: «يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي. يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي يا ابن آدم لو أتيتني بتراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بترابها مغفرة» . ويحسن بنا في هذا المقام أن نذكر أن المفسرين قد خلطوا بين مشيئة الله وإرادته، ولم يفرقوا بين قضائه وقدره، وأمره وعلمه، متأثرين في ذلك بما جرى عليه واضعوا كتب اللغة في دلالة الكلمات على عدة معان، وترادف بعضها لبعض. فأساؤوا فهم معنى القضاء والقدر، وترتب على هذا انقسام الناس إلى عدة فرق كالجبرية والقدرية وغيرهم ممن يقولون: بأن الإنسان في هذه الحياة ميسر وفق ما قدره الله عليه في الأزل، وسبق به علمه، وجرى به قلمه، من طاعة وعصيان، وسعادة وشقاء. ولا خيار ولا قدرة له البتة على اجتناب ما قدر عليه. حتى لقد قال قائلهم:

@إن السعيد لسعيد الأبد

#وعكسه الشقي لم يبدل

ولكني وأنا أتدبر آيات الله ظهر لي أنه إذا جاز لنا أن نأخذ بدلالة بعض الكلمات على عدة معان، وترادف بعضها لبعض في لغة التخاطب فيما بيننا، فإنه يجب أن نلاحظ أنه بالنسبة لكلام الله وأحكامه جل وعلا فلا بد أن يكون هناك فارق ولو بسيط في التمييز بين المعاني

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت