هذا في آية أخرى بقوله: {وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرًا ما سبقونا إليه} وقد رد الله على قولهم هذا بما يشعرهم بخطئهم في تصورهم أنه يلزم من إكرامهم بالغنى أن يكرمهم بالإيمان، ويحيلهم إلى ما قضت به سننه وما أخبرهم به في آية أخرى بقوله: {لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد} فقال {أليس الله بأعلم بالشاكرين} الذين يقدرون لله نعمه ويشكرونه عليها باستعمال مواهبهم فيما خلقت له فيضيف لهم سبحانه نعمة الإيمان إلى جانب متع هذه الحياة الدنيا من المال والجاه. أما من كفروا بنعم الله وعتوا عن أمر ربهم فإنهم جديرون بسلب ما هم فيه من نعم لا أن يؤتوا من النعم ما لا يستحقوها.
بعد أن أمر الله رسوله أن يعلن ضعفه وعجزه عن أن ينفع أحدًا أو يضره، ونهاه عن طرد فريق من الناس إرضاء لآخرين، وأخبره أن ما صدر من زعماء قريش لم يكن إلا ناشئًا عن سنة من سننه تعالى في خلقه؛ أخذ يعلمه طريقة يغرس بها حبه تعالى في قلوب المؤمنين فقال {وإذا جاءك} أيها الرسول {الذين يؤمنون} أي كل من يؤمن {بآياتنا} ولا يشك في صدق كل وعد وكل كلمة وردت في القرآن {فقل} لهم {سلام} الله {عليكم} أي أن الله يقرئكم السلام ويؤمنكم على أنفسكم من الظلم فإنه تعالى لا يظلم أحدًا بل إنه سيجزيكم على إيمانكم وصالح أعمالكم خير الجزاء. فهذا ما يطمئنهم على مستقبلهم. ثم أضاف إلى ذلك بشرى أخرى من شأنها أن تملأ قلوبهم فرحًا وتعلقًا بالله وهي قوله {كتب} الله سبحانه وتعالى بوصفه {ربكم} الخالق لكم وهذا يشير إلى كمال العطف والشفقة {على نفسه الرحمة} أي أوجبها على نفسه قبل أن يطالبه أحد بها إذ هو شرع في دستوره الرحمة وغرسها في قلوب عباده. وكان من أبرز دلائل رحمته تعالى {أنه} بفتح الهمزة وقرئ {إنه} بكسرها {من عمل منكم سوءًا} أي ارتكب ذنبًا من الذنوب صغيرها وكبيرها {بجهالة} دفعته إلى ذلك السوء كتغلب الشهوة وشدة الغضب. فالجهالة هنا معناها السفه والحمق {ثم تاب من بعده} أي بعد ذلك السوء بمعنى خاف الله فاستغفره وندم على ما صدر منه {وأصلح} عمله بأن أتى بشيء من أعمال الخير التي تستجلب رضاء الله {فأنه غفور} لمن استغفره {رحيم} لمن طلب الرحمة وعمل لها بالرجوع إليه والتذلل بين يديه {وكذلك} أي بمثل ذلك الإرشاد الذي أمرناك به {نفصل الآيات} أي نوضح مقصدنا من تنزيل آيات القرآن وهو اجتذاب القلوب إلى الله {ولتستبين سبيل} برفع سبيل