وقرئ بنصب سبيل وقرئ «ليستبين سبيل» بالياء ورفع سبيل أي ليظهر بها سبيل {المجرمين} فيمتازوا بها عن جماعة المسلمين بعدم سرورهم بهذه البشرى وتقاعسهم عن الإقبال على الله بكل جوارحهم.
بعد أن علم الله رسوله طريقة يجتذب بها قلوب المؤمنين إلى محبة الله أخذ يعلمه طريقة أخرى يستميل بها غير المؤمنين إلى الإيمان من غير إكراه ولكن بالحجة والبرهان فقال {قل} للكافرين والمشركين {إني نهيت} بفطرتي وما هداني إليه عقلي قبل رسالتي {أن أعبد} أي أدعو {الذين} كنتم {تدعون} وتستغيثون بهم {من دون الله} من الأصنام والأوثان التي لم تكن تسمع ولا تعقل ولا تنفع ولا تضر {قل} فمن البديهي إذًا أن {لا أتبع أهواءكم} أي ما تمليه عليكم نفوسكم المطبوعة على الشر من الزيغ والضلال {قد ضللت إذًا} أي إن اتبعتكم فيما أنتم عليه من ضلال لا يستند إلى بينة أو هدى ولا يقره العقل السليم {وما} أكون {أنا} في هذه الحالة {من المهتدين} إلى الحق والصراط المستقيم و {قل} لهم أيضًا {إني} فيما أخالفكم فيه قد حصلت {على بينة} أدلة وحجج عقلية وشواهد وآيات حسية {من ربي} أي هداني إليها ربي بما أنزله عليّ من القرآن الذي يدعو إلى توحيد الله رب العالمين بما يشير إليه من التفكير في خلق السموات والأرض والتأمل في سنن الكائنات وعجائب المخلوقات {وكذبتم به} أي بربي إذ لم تعترفوا بوحدانيته واتخذتم معه شركاء أو شفعاء تدعونهم لكشف الضر وقضاء الحاجات فنحن إذًا على طرفي نقيض. فكيف تريدون أن أعدل عن أمر وثقت به كل الثقة لاتباعكم فيما لا دليل لكم عليه، لمحض التقليد الذي يعد براءة من الاستدلال ودليلًا على ضعف التفكير والجمود عند الحد الذي وضعه الآباء. وهنا أشار الله إلى ما كان يقول المشركون ردًّا على دعوة الإسلام {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} ولقن رسوله الجواب عليه بقوله {ما عندي ما تستعجلون به} أي ليس لدي من القدرة ما يجعلني أعجل لكم ما طلبتموه من قذفكم بالحجارة وإنزال العذاب بكم في الحال {إن الحكم} في ذلك وغيره {إلا لله} وحده وله في ذلك سنن وأنظمة لا بد منها ومقدرات وآجال لا تتغير ولا تتبدل إلا بأمره {يقص الحق} في جميع ما أخبر به من وعد ووعيد وقرئ «يقضي الحق» أي يقضي في أمركم القضاء الحق {وهو خير الفاصلين} بين الصدق والكذب والحق والباطل قل لو أن عندي ما