عذاب الله في الآخرة الذي أعده للكافرين {ولا هم يحزنون} على ما فاتهم من الحياة في الدنيا فإن أمرها مهما طال فهو قصير، ونعيمها مهما عظم فهو زائل وهذا خير برهان على فساد عقيدة القائلين بأن لله أن يعذب الطائع ويثيب العاص {والذين كذبوا بآياتنا} وكان الهلاك من أجلهم {يمسهم العذاب} الذي أنذروا به في الآخرة {بما كانوا يفسقون} أي بسبب فسقهم وكفرهم وإفسادهم المقابل للإيمان والعمل الصالح.
بعد أن أكد الله سبحانه وتعالى أن سلطانه لا يتعارض مع مبادئ عدله التي لا تتأثر بشفاعة الشافعين أو جاه المقربين، وحدد مهمة الرسل بأنها لا تتجاوز التبشير والإنذار، أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يعلن ضعفه وعجزه عن أن ينفع أحدًا أو يضره حتى ولا بمجرد الإخبار بالمغيبات أو التأثير على القلوب فقال {قل} أيها الرسول للناس أجمعين أنا {لا أقول لكم} أن {عندي} وتحت نفوذي وتصرفي {خزائن الله} التي تحفظ فيها أرزاق العباد حتى أستطيع أن أهب منها من أحب وأمنع عنها من لا أحب {ولا أعلم الغيب} مما هو كائن أو سيكون إلا في حدود ما علمنيه ربي، أو ما جعل الله من حق البشر معرفته من خواص الأشياء وسنن الكائنات {ولا أقول لكم إني ملك} أي في شخصية تختلف عن شخصيتكم فما أنا إلا بشر مثلكم آكل كما تأكلون وأشرب كما تشربون وأتعرض لكل ما تتعرضون له من يسر وعسر وفرح وترح فلا يطعن في رسالتي عن الله عدم تميزي عنكم بشيء من ذلك. وقد اتخذ بعض المفسرين من هذا دليلًا على تفضيل الملائكة على الإنسان وهذا دليل غير قائم فكون ليس منهم لا يعد دليلًا على تفضيلهم عليه {إن أتبع} فيما أدعو إليه {إلا} مجرد تبليغ {ما يوحى إلي} من ربي فلا أحل ولا أحرم إلا ما أمرت بتحليله أو تحريمه، ولا أتخلق إلا بأخلاقه. قالت السيدة عائشة: لقد كان خلقه صلى الله عليه وسلم القرآن {قل} لهم أيضًا تدليلًا على صحة اتباعك {هل يستوي الأعمى والبصير} في الإدراك سيقولون كلا قل إذا {أفلا تتفكرون} أي أليس لديكم من نعمة البصر والبصيرة ما يجعلكم تفكرون في الموضوع تفكيرًا صحيحًا يصل بكم إلى نتيجة معقولة هي أنه لو لم يكن هذا الرجل صادقًا في رسالته لما اعترف لكم باتباعه لأمر ربه، وكان من الأشرف له أن ينسب إلى نفسه كل ما يصدر منه من الآيات {وأنذر به} أي بما يوحى به إليك من القرآن {الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم} ممن كانوا على الفطرة فهم يخشون أن يكون ما