الحال في هذه الآية معناها أيما شخص يقضي نظام المشيئة في حقه الضلال ممن سلك السبيل إليه يضله الله بمعنى يوصله الله إلى غايته وفق سننه التي أخبرنا بها في قوله: {وما يضل به إلا الفاسقين} وأيما شخص يقضي نظام المشيئة في حقه الهدى ممن يسلك السبيل إليه يجعله على صراط مستقيم أي يجنبه ويبعده عن مواضع الزلل بفضله ورحمته وفق سننه التي أخبرنا بها في قوله: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء} وقوله: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} فأمر الهدى والضلال لا يأتي ابتداء بل وفق مشيئة الله الأزلية والدستور الذي سنه لها. وبمقتضى وعده القائل: {كلًا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك} والمشيئة هنا وإن كانت غامضة أو مجملة ولكنها مفصلة في سائر الآيات فيجب حمل هذا المجمل على تلك المفصلات.
بعد أن أخبر الله رسوله بأنه جعل لكل حي في الوجود دستورًا يسير عليه، وسننًا لا يمكن تخطيها، وأن له بعد ذلك الكلمة العليا والأمر الأخير، حيث لا ينفذ مقتضى السنن إلا بإذن الله، الذي يستطيع أن يجنب عن الضلال من يريد، ويمد الطاغين في طغيانهم، ولا يعارض في ضلالهم، متى سلكوا سبل الضلال، لينالوا عقابهم؛ أخذ يدعم هذه الحقيقه الثابته فأمر رسوله أن يحذر الناس من سلوك سبل الضلال، ويدعوهم إلى طريق الهدى وهو معرفة الله والرجوع إليه بالدعاء والضراعة، ليحول دونهم ودون ما قد يصيبهم نتيجة لسيئات أعمالهم فقال: {قل} أيها الرسول للناس أجمعين {أرأيتكم} وقرئ «أريتكم» بتخفيف الهمزة أي أرأيتم أنفسكم كيف يكون حالكم {إن أتاكم عذاب الله} الذي كان ينزل على من كان من قبلكم كالريح الصرصر العاتية والصاعقة أو الرجفة القاضية ومياه الطوفان وما إلى ذلك من المصائب العامة {أو أتتكم الساعة} أي ساعة الموت التي لا بد منها لكل حي بظهور مقدماتها من شدة الأمراض ومختلف الإصابات {أغير الله تدعون} للطف بكم وكشف الضر عنكم والنجاة من خطر الموت الذي يهددكم {إن كنتم صادقين} في شعوركم بالحاجة إلى من ينقذكم من كل ذلك {بل إياه تدعون} في مثل تلك الحالات والساعات الحرجة. ولا تذكرون أحدًا ممن كنتم تدعونهم في حال الرخاء لطلب العون وتحقيق المطالب ممن تزعمونهم شركاء الله أو شفعاء عنده {فيكشف} سبحانه وحده {ما تدعون إليه} أي ما دعوتم الله من أجله بأمر خاص يوقف به