الصفحة 742 من 1760

جعلناهم حصيدًا خامدين وقال أصحاب الجنة التي أفسدها الله عليهم لسوء سلوكهم لما رأوها {سبحان ربنا إنا كنا ظالمين} ولما سأله نوح نجاة ابنه لم يقل له إني أغرقته بمحض مشيئتي من غير ذنب ولا سبب، بل أخبره أن ذلك لم يكن إلا لأنه عمل غير صالح. وقد ضمن سبحانه زيادة الهداية للمجاهدين في سبيله ولم يقل إنه يضلهم ويبطل سعيهم، وكذلك ضمن زيادة الهداية للمتقين الذين يبتغون رضوانه، وأخبر أنه لا {يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} وأنه إنما يضل من آثر الضلال واختاره على الهدى فيطبع حينئذ على سمعه وقلبه. كما أنه أوضح أسباب الهداية وأقام الحجج على أنه لا يضل إلا الفاسقين الظالمين، ولا يطبع إلا على قلوب المعتدين، ولا يركس في الفتنة إلا المنافقين بكسبهم. وأن الرين الذي غطي به قلوب الكفار هو عين كسبهم وأعمالهم حيث قال {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} وقال عن أعدائه اليهود: {وقالوا قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم} وأخبرنا أنه لا يضل من هداه حتى يبين له ما يتقي، فيختار بسبب شقوته وسوء طبيعته، الضلال على الهدى والغي على الرشاد. ولزيادة الإيضاح وتصحيح تلك العقيدة الفاسدة وإرشاد الناس إلى معنى هذه الآية أقرر أن الفاعل فيها لا شك أنه الله غير أن الذي حملهم على هذا الفهم الخاطئ إنما هو عدم تفريقهم بين المشيئة والإرادة وجهلهم المقصود من القضاء والقدر. وقد فصلنا ذلك غير مرة في هذا التفسير وقلنا إن مشيئة الله معناها أحكامه التي يحمل المخلوقات عليها حملًا. وهي تشتمل ما يحبه الله وما يكرهه. وهي دستور القضاء والقدر الذي وضعه الله وأذاعه على عباده، لينفي عن ذاته العلية صفة الاستبداد والظلم. فأيما موضع استعمل الله فيه لفظ المشيئة فإنه يعني نظامه وسننه التي شاء الناس عليها من الأزل، مما سبق أن أعلنه في القرآن من أحكام قدرها لعمار هذا الكون وتنظيم شئون خلقه، وأخذ على ذاته العلية أن يؤاخذ الناس بمقتضاها. فهو سبحانه إذ يقول: {عذابي أصيب به من أشاء} مثلًا يعني من ينطبق عليهم نظام مشيئته الأزلية العادل وهو إذ يقول: {وربكم أعلم بكم إن يشاء يرحمكم وإن يشأ يعذبكم} فهو يعني أنه تعالى يوم القيامة بعد الحساب إن يشأ يعاملكم برحمته فيتجاوز عن سيئاتكم، وإن يشأ يعاملكم بعدله فيؤاخذكم بأعمالكم وفق دستوره فيعذبكم على ما اقترفتموه من المعاصي والسيئات، لا عن رغبة في التشفي والانتقام، اللذين هما من خصائص النفس البشرية ويتعالى الله عنها علوًا كبيرًا. وكذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت