الصفحة 741 من 1760

بين الإنسان والحيوان. قال صلى الله عليه وسلم: «لتؤدين الحقوق حق يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء» {والذين كذبوا بآياتنا} المنزلة على خاتم رسلنا، الدالة على عظيم قدرتنا ودقة نظمنا وفائق عدلنا وحكمتنا {صم} لا يسمعون آياتنا سماع تدبر وفهم و {بكم} لا يجهرون بما عرفوا من الحق ما داموا تائهين {في الظلمات} أي ظلمات الحياة المادية، ولم يتخطوها إلى ما وراءها من عالم الروح والحياة غير المنظورة، ليدركوا أن لله جل جلاله الكلمة العليا والأخيرة في كل شيء. فإن {من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم} سبق أن قلنا عند تفسيرنا لقوله: {يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} أن الفاعل في الفعلين عائد إلى أقرب مذكور، وهو اسم الموصول، يعني العبد، تحاشيًا من نسبة الإضلال إلى الله جل جلاله. فلم يرق هذا لبعض الجامدين من العلماء الذين يأبون إلا التمسك بما قاله مشايخهم من وجوب إعادة الضمير إلى الله، وضرورة جعل المشيئة له دون العبد، واتخذوا من هذه الآية، التي يتعين بها أن يكون الفاعل هو الله، دليلًا على صحة قولهم من أن الله سبحانه إذا شاء الضلال لأحد من الناس يحمله على الضلال، ويضطره إلى الوقوع في الكفر والمعاصي، لمحض الرغبة واستغلال النفوذ، من غير تقيد بنظام، أو حاجة لذكر الأسباب، كالحاكم المستبد، بل الظالم الذي يدبر المكائد للإيقاع بمن يبغض، ثم يؤاخذه على ما صدر منه، أو كالشيطان {إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين} مما يتعالى الله عنه علوًا كبيرًا. وآيات القرآن كلها شاهدة على بطلانه، وتنص صراحة على أنه تعالى إنما يعامل الناس بكسبهم، ويجازيهم بأعمالهم، ولا يخاف المحسن لديه ظلمًا ولا هضمًا لا بخسًا ولا رهقًا، ولا يضيع عمل محسن أبدًا ولو كان مثقال ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا، وأنه يجزي بالسيئة مثلها ويحبطها بالتوبة والاستغفار، ويجزى بالحسنة عشرة أمثالها ويضاعفها إلى سبعمائة ضعف وإلى أضعاف كثيرة. وهو الذي سن للناس سبل الهدى وضمن لمتبعيها النجاح، وأبان عن سبل الضلال وحذرهم من سلوكها، وأخبرنا أنه يترك لكل إنسان الحق في أن يدافع عن نفسه، وأنه لا يعذبه حتى يعترف بذنبه بقوله: {يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون} وقوله: {فاعترفوا بذنبهم فسحقًا لأصحاب السعير} وقال عمن أهلكهم في الدنيا بأنهم لما رأوا آياته وأحسوا بعذابه قالوا: يا ويلتنا إنا كنا ظالمين فما زالت تلك دعواهم حتى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت