{والموتى} أي موتى القلوب الذين لا يسمعون كلام الله سماعًا يصل صداه إلى القلب. وهم من أشار إليهم سبحانه بقوله: {ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون} وقوله: {يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا} فأمثال هؤلاء {يبعثهم الله} البعث إثارة الشيء وتوجيهه. يقال بعثت البعير أي أثرته من مبركه وسيرته إلى المرعى. أي أن الله سبحانه قد أخذ على ذاته العلية أمر إثارتهم وتوجيههم إلى معرفته والإيمان به، بما يلوح لهم به من الدلائل الكونية والعبر الشخصية والآيات القرآنية، التي ستتلى عليهم من محطات الإذاعة في العالم حتى قيام الساعة {ثم إليه يرجعون} يوم القيامة فيحاسبهم على ذلك إذ يقول {ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون * قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين * ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون * قال اخسئوا فيها ولا تكلمون} .
{وقالوا} أي أولئك الظالمون لأنفسهم المكذبون لآيات الله المعاندون رسوله بعدم استجابتهم لدعوته {لولا نزل عليه آية من ربه} تلجئ الناس وتضطرهم إلى الإيمان به فلا يحزن ولا يتحسر على عدم هدايتهم {قل إن الله قادر على أن ينزل} بتشديد الزاي وقرئ بتخفيفها {آية} يستوي في الاهتداء بها العالم والجاهل والمسلم والمعاند {ولكن أكثرهم لا يعلمون} السر في عدم إقدامه على هذه الأمر. وهو أن قهرهم على الإيمان يتنافى مع الحرية التي منحها الله لهم.
بعد أن أكد الله لرسوله أنه جعل لنيل الهداية سننًا، وأخذ على نفسه تنبيه الغافلين إليها، أردف هذا بما يشير إلى أنه تعالى قد جعل لكل حي في الوجود دستورًا يسير عليه، وسننًا لا بد من اتباعها، فقال {وما من دابة في الأرض} الدابة: هي كل ما يدب على الأرض من الحيوان، والدب المشي الخفيف {ولا طائر يطير بجناحيه} في الفضاء {إلا أمم أمثالكم} مصنفين أصنافًا تعرف بأسمائها، كأمة الطير وأمة النمل وأمة الإنس وأمة الجن. ولكل أمة نظام حياتها ومعاشها وسبيل تفاهمها واتصالها ببعض، كما لها كامل الحرية أن تسير في الحياة كيفما تريد، ضمن تلك النظم والسنن التي قدرت لها، ولا تستطيع أن تحيد عنها {ما فرطنا في الكتاب} أي القرآن الذي بين أيديكم {من شيء} يدل على الله من سنن كونية ونواميس طبيعية وأنظمة مرعية، وأنه تعالى لم يخلق حيًّا في الوجود إلا عن حكمة ولغاية، وقد رسم له السبيل الذي يسير عليه. وكل شيء عنده بمقدار {ثم إلى ربهم} يوم القيامة {يحشرون} أي أن البعث أمر لا بد منه لكل حي، لا فرق