الصفحة 739 من 1760

الهداية التي عرضها عليهم، وكان بودك المزيد من الآيات التي تحملهم على الإيمان بالله {فإن استطعت أن تبتغي} الابتغاء طلب ما في طلبه كلفة ومشقة. أي إن أمكنك أن تتكلف العسير وتقيم {نفقًا في} أعماق {الأرض} وهو أمر في غاية المشقة {أو سلمًا في} أعالي {السماء} وهو أصعب وأصعب {فتأتيهم بآية} من تلقاء نفسك تقنعهم بها على رسالتك، وتحملهم على الإيمان بالله، فافعل ذلك. والمعنى أنه ليس في مقدورك، مهما أوتيت من قوة، ومهما بذلت من جهد، أن تهديهم إلى الإيمان، لأنه ليس هذا من اختصاصك، إذ لا سلطان لك على قلوب العباد، وإنما ذلك عائد إلى الله وحده {ولو شاء الله} أي لو كانت مشيئته تعالى قضت بهداية كافة البشر {لجمعهم على الهدى} وسخرهم لطاعته وجعلهم كالملائكة {لا يعصون الله ما أمرهم يفعلون ما يؤمرون} {فلا تكونن من الجاهلين} الذين يقولون لماذا لم يهد الله هؤلاء القوم للإيمان ويجعلهم يعتنقونه. وما علموا أن هذا الأمر عائد لهم نتيجة لما منحهم الله من نعمة الحرية في النية والقول والعمل، والتي بمقتضاها أصبح لهم كامل الخيار في جميع اتجاهاتهم. وهذا ما يستلزم أن يكون منهم العاصي والمطيع والضال والمهتدي. وقد أنذرهم سبحانه بأنه تعالى سيعاقب الأول ويثيب الثاني. ولولا ذلك لما كان هناك معنى لتعبيد طريق الخير وطريق الشر، ولا لإرسال الرسل، ولا لتنزيل الكتب. وتركهم يستعملون مواهبهم فيما يروق لهم، ويختارون لأنفسهم ما يشاؤون. فلا تذهب نفسك عليهم حسرات.

بعد أن أخبر الله رسوله أنه ليس في استطاعته هداية الناس، مهما بذل من جهد ومشقة، بل لا بد من التقيد بسنن الله، التي تقضي بحرية الناس فيما يقصدون وما يقولون وما يفعلون، ليتحملوا وزر ذلك، ونهاه عن أن يتجاهل هذه الحقيقة، أخذ يؤكد له أنه تعالى قد جعل للهداية سننا وأخذ على نفسه تنبيه الغافلين إليها قال {إنما يستجيب} لدعوة الإسلام أي يتقبلها ويعمل بها كما يقال استجاب الله دعاء فلان متى قبله وقضى حاجته {الذين يسمعون} كلام الله سماع فهم وتدبر، فيعقلون معاني الآيات، ويذعنون لما يتبين لهم من الحق، ويعملون بمقتضاه. كما أشار الله إلى هذا بقوله: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين} وقوله: {وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت