لذاته ويكون له أجر؟ قال: أليس إذا وضعها في الحرام يكون عليه وزر، قالوا: نعم، قال كذلك إذا وضعها في الحلال يكون له أجر».
بعد أن أخبر الله رسوله بما يكون عليه حال المكذبين بآيات الله، والمنكرين للبعث والحياة الأخرى، أخذ يكاشفه بما يعلمه تعالى مما كان يداخل قلبه عليه الصلاة والسلام من الحزن عند تكذيبهم له، ويسري عنه ذلك الحزن فقال {قد نعلم} أي لقد كنا نعلم مما أودعناه في قلبك من عاطفة الرحمة {إنه ليحزنك} بفتح الياء وضم الزاي وقرئ بضم الياء وكسر الزاي {الذي يقولون} في تكذيب ما جئت به. وما يكون لك أن تحزن {فإنهم} في الواقع {لا يكذبونك} بتشديد الذال وقرئ بضم الياء وتخفيف الذال أي إنهم لا يطعنون في صدقك ولا يعتقدون أنك كذبت على الله فيما جئتهم به، فهم لم ينالوا من شخصك ولم يحتقروا ذاتك {ولكن} ما حدث هو أنهم قد ظلموا أنفسهم بعدم إصغائهم لما جئت به وتدبره حتى يتبين لهم الحق من سواه، فهم لم يستفيدوا من مزايا السمع. وقد قضت سنة الله في خلقه أن {الظالمين} أنفسهم باستعمال مواهبهم في غير ما خلقت له، استكبارًا وعنادًا، من شأنهم أنهم {بآيات الله يجحدون} الجحود: إنكار الأمر مع العلم به. أي أن أقوالهم لم تكن ناشئة عن شكهم في صدقك، وإنما هي منبعثة عن جحودهم آيات الله {ولقد كذبت رسل من قبلك} أي ولقد أتهم غيرك من الرسل السابقين بالكذب صراحة بمعنى طعن في أشخاصهم {فصبروا على ما كذبوا} أي على ذلك الاتهام {وأوذوا} بأنواع الأذى، واحتملوه بكل جلد، احتسابًا لوجهه، وانتظارًا لمدده {حتى أتاهم نصرنا} أي إلى أن حان الحين الذي قدرناه موعدًا للنصر. فنصر الله لا بد أن يأتي لكل من استنصر به. إنما في الوقت الذي يراه سبحانه، أو الذي تقطع فيه الآمال من غيره، وتنحصر الثقة واليقين فيه جل وعلا حيث تتجلى هنالك قدرة الله ورحمته بعباده {ولا مبدل لكلمات الله} التي وعد بها عباده المؤمنين به والداعين إليه والمجاهدين في سبيله لقوله: {وكان حقًّا علينا نصر المؤمنين} وقوله: {ولينصرن الله من ينصره} وقوله: {إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} .
{ولقد جاءك} أيها الرسول {من نبأ المرسلين} السابقين ممن قصصناهم عليك ما يصور لك مبلغ ما أصابهم من أذى، وما كانوا عليه من صبر، وما منحهم الله من نصر مبين {وإن كان} ما أصابك من الحزن لم يكن من أجل نفسك بل لأنه {كبر عليك إعراضهم} عن سلوك سبل