أمرك يقض حاجتك. قال فعمل بما أمر به وفرج كربه. ولعل أمثال هؤلاء الناس، وما فتنوا به من هذه الأقوال، التي يحاولون بها نفي الشرك عن أنفسهم، هم الذين نزلت في حقهم هذه الآية رزقنا الله الإيمان الخالص، وجنبنا مواضع الزلل، ومهاوي الشرك، بفضله ورحمته وحسن رعايته.
بعد أن أخبر الله رسوله بأن أهل الكتاب يعرفون الله كما يعرفون أبناءهم غير أن الذين تحكمت فيهم أهواؤهم لا يؤمنون برسالته عن ربه قال {ومنهم من يستمع إليك} أي إلى ما تتلوه من القرآن الذي هو سبيل الهداية فيخيل إليك أنه قد آمن برسالتك وأن إصغاءه للقرآن من شأنه أن ينير بصيرته ويحمله على الإيمان بالله واليوم الآخر {وجعلنا على قلوبهم أكنة} أي أغطية {أن يفقهوه} أي تحجب مقاصد القرآن ومراميه عن سامعيه {وفي آذانهم وقرًا} أي ثقلًا حائلًا دون سماعه بقصد التدبر والاتعاظ به وليس المراد بالجعل هنا هو أن الله قد حال دونهم ودون الوعي، بل إن هذا الجعل من الله هو ما قضت به سنته في طبائع البشر من الجمود الفكري والتأثر بالبيئة، وما يلقنه الآباء للطفل من أول عهده بالحياة، فهو إذ يستمع إلى قول مخالف لما وقر في ذهنه يرفضه ولا يتدبره بل لا يراه جديرًا باهتمامه والأخذ به. وجعل الأكنة على القلوب والوقر في الآذان في الآية، من تشبيه الحجب والموانع المعنوية بالحجب والموانع الحسية. فالقلب الذي لا يفقه الحديث ولا يتدبره كالوعاء الذي وضع عليه الغطاء الذي يمنع تسرب شيء إلى داخله. والآذان التي لا تفقه الكلام كالآذان المصابة بالصمم لا تستفيد شيئًَا مما يلقى إليها {وإن يروا كل آية} من آيات القرآن الداعية إلى الإيمان بوحدانية الله وكتبه ورسله واليوم الآخر {لا يؤمنوا بها} وينكرون صحتها {حتى إذا جاءوك} لم يجيئوا بقصد الاهتداء أو للوصول إلى حقيقة ما تدعو إليه بل إنهم {يجادلونك} أي بقصد الجدل وهو شدة الخصومة متأثرين بما {يقول الذين كفروا} عن القرآن {إن هذا إلا أساطير الأولين} بمعنى أنه عبارة عن كتاب تاريخي يحتمل الصدق والكذب. ولذلك فإنهم لا ينظرون إليه كدستور سماوي أنزل لهداية الناس إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم، بما اشتمل عليه من مواعظ وعبر وتشريع كامل، يحدد علاقة الفرد بربه، وعلاقته بإخوانه وبالمجتمع الإنساني، ويكفل له السعادة الكاملة في الدارين. {وهم} أي من سبق ذكرهم ممن يستمع إليك من المعاندين {ينهون} الناس {عنه} أي عن الإيمان به وينأون