الصفحة 733 من 1760

فيه. وإنما {الذين خسروا أنفسهم} أي الذين حكمتهم أنفسهم فلم يستطيعوا السيطرة عليها وإخضاعها لتدبر آيات الله {فهم لا يؤمنون} برسالتك ويأبون أن يصدقوا بما جئت به من عند الله لأن نفوسهم الأمارة تقف حائلًا دون هدايتهم، وتسول لهم الافتراء على الله، وتكذيب ما جاء من عنده. {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا} أي وليس هناك أظلم ممن زعم أن له تعالى ولدًا أو شريكًا أو سيطًا يقرب إليه زلفى، أو يشفع له عنده، أو زاد في دينه ما ليس منه {أو كذب بآياته} الكونية الدالة على وحدانيته، أو التي يؤيد بها تعالى رسله. وقد قضى الله تعالى في دستوره {إنه لا يفلح الظالمون} أي لا يظفر المفترون على الله أو المكذبون بآياته بغايتهم التي يعملون لها وهي طمس الحقائق وصد الناس عن دين الإسلام وإخماد نور الإيمان في قلوب المؤمنين. هذا في الدنيا {ويوم نحشرهم} في الآخرة {جميعًا} أي هم ومن ضل بضلالهم {ثم نقول} وقرئ «ويوم يحشرهم جميعًا ثم يقول» {للذين أشركوا} مع الله آلهة أخرى، ونسبوا إليهم القدرة على النفع والضر أو الشفاعة لهم ساعة الحساب والعقاب {أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون} في الدنيا أن لهم سلطانًا أو جاهًا عندنا فليتقدموا لإنقاذكم من عذابنا {ثم لم تكن فتنتهم} برفع التاء وقرئ بنصبها وقرئ «لم يكن فتنتهم» بنصب التاء. الفتنة الضلال. أي لم يكن لهم من جواب {إلا أن قالوا} ما كانوا يقولونه في الدنيا ليبرئوا أنفسهم {والله ربنا} بكسر الباء أي غير القسم بالله ربهم وقرئ بالفتح على النداء أي يا ربنا {ما كنا مشركين} في اعتقادنا لأننا ما كنا نعتقد في غيرك النفع والضر، وما كنا ندعوهم إلا لنتوسل بهم إليك، وليقربونا إليك زلفى. لأنا كنا نستصغر أنفسنا أن نتسامى إلى دعائك مباشرة من غير واسطة، إجلالًا لمقامك وتعظيمًا لك، كما يقول دعاة التوسل في عصرنا هذا {انظر} أيها الرسول {كيف كذبوا على أنفسهم} بهذا القول المنمّق الزائف الذي لا محل له إذ نسبوا إلى الله ما لم يقرهم عليه من وجود الوسائط والشفعاء {وضل عنهم ما كانوا يفترون} من أن للأنبياء أو الأولياء تأثيرًا في الواقع ونفس الأمر. ولولا ذلك لما وجهوا إليهم دعاء، ولما رجوا منهم مددًا وعونًا. وهذا أمر مشاهد بما يتفوهون به من أغلظ الإيمان، بينما هم في الواقع ونفس الأمر كانوا يعتقدون في سرهم أن لمن كانوا يدعونهم شيئًا من القدرة والنفوذ, وهذا أمر مشاهد اليوم في المسلمين فضلًا عن النصارى. وأذكر بهذه المناسبة أني عندما كنت شابًّا، جمعني مجلس بمكة المكرمة مع بعض العلماء، وكنا نطالع كتاب النظرات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت