الصفحة 732 من 1760

والمعنى سل الناس عن أقوى الشهادات التي تطمئن إليها نفوسهم، فلا شك أنهم لا ينكرون أنها الشهادة التي تكون عن مشاهدة وحضور وعلم ومعرفة واعتقاد مبني على اليقين الثابت. والجواب على هذا السؤال قوله {قل الله شهيد بيني وبينكم} أني بلغت الرسالة وأديت الأمانة وهو العليم الذي لا يخفى عليه شيء في السموات والأرض {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به} أي لمجرد الإنذار لا لإرغامه على الإيمان به {ومن بلغ} أي ولأنذر كل من بلغ إليه خبره وسمعه من سائر الأمم سائر الأوقات حتى قيام الساعة. قال صلى الله عليه وسلم: «بلغوا عن الله فمن بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله» ولأجل إيصال هذا الإنذار إلى مسامع الجميع حمل الله سائر محطات الإذاعة في العالم اليوم على تلاوة القرآن دون غيره من التوراة والإنجيل في جميع الأوقات لتعم الدعوة ولينذر الكل به، فلم يبق لأحد عذر في عدم الاهتداء به، حتى من الأعاجم الذين يجهلون اللغة العربية، فإنهم لا يجرؤون على إنكار سماعهم له، وبلوغ خبره إليهم. الأمر الذي يحتم عليهم البحث عما يقول القرآن وتدبر معانيه باعتباره كلام الله الموجه إلى سائر العباد. فإن قصروا في ذلك فإنما جرمهم على أنفسهم، وهنا أمر الله رسوله بأن يوجه إلى المعارضين السؤال الثاني وهو قوله {أئنكم} وقرئ «أينكم» {لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى} أي هل عندكم من علم يقيني بوجود آلهة أخرى مع الله؟ إنهم بلا شك لا يحيرون جوابًا فأجب عنهم بجوابين: الجواب الأول: {قل لا أشهد} أي إني أنكر قولكم ولا أعترف به لأنه غير صحيح. الجواب الثاني: {قل إنما هو إله واحد} أي وأقر بوحدانية الله الذي لا رب غيره، ولا معبود سواه {وإنني بريء مما تشركون} أي وأبرأ من نسبة الشركاء له جل وعلا.

بعد أن لقن الله رسوله بعض البلاغات التي يجب أن يذيعها على الناس عن ذاته العليا واختتمها بقوله {إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون} أخذ يخبره بما سيكون لهذا من وقع في نفوسهم وما تقتضيه سنته ودستوره العادل في شأنهم فقال {الذين آتيناهم الكتاب} أي الذين آمنوا من قبل بالكتب المنزلة على موسى وعيسى {يعرفونه} أعاد المفسرون الإشارة إلى الرسول مع أنه لم يأت ذكره من قبل وسياق البحث يدل على عودته إلى الإله أي أن أهل الكتب يعرفون الله ولا ينكرون وجوده مما جاءهم في الكتب المقدسة {كما يعرفون أبناءهم} فكما لا يستطيع أحد منهم أن ينكر أن له أبناء لا يجحد أن له ربًّا خالقًا. فأمر الربوبية أمر ثابت عندهم لا ريب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت