القرون الذين مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم أمثال قوم فرعون وعاد وثمود وتأملوا فيما كان لهم من قوة وبأس {ثم انظروا} أي ابحثوا عن الآثار لتعلموا {كيف كان عاقبة المكذبين} برسالة الرسل من هلاك ودمار سببه لهم تكذيبهم لرسل الله فكيف يكون حال المستهزئين منكم الساخرين بخاتم رسله؟ لا ريب إنهم أحق بالهلاك. إذًا فليرتقب كل مستهزئ الهلاك ولو بعد حين.
بعد أن أمر الله رسوله بدعوة الناس أجمعين إلى التأكد بأنفسهم من صحة أقواله عن طريق السياحة في الأرض ومشاهدة آثار المكذبين ليحذروا أن ينالهم ما نال غيرهم في القرون السابقة أخذ يلقنه بعض البلاغات الرسمية بأسلوب قوي في إلزام الناس بالحجة القاطعة على التسليم بصحة ما يدعو إليه من توحيد الله، وهو أسلوب السؤال والجواب في موضع فصل الخطاب. البلاغ الأول عن التوحيد ويشتمل على سؤال وخمس إجابات: أما السؤال فقوله {قل} أيها الرسول للناس كافة {لمن ما في السماوات والأرض} من جميع المخلوقات العلوية والسفلية العاقل منها وغير العاقل أي من هو الخالق لها فإن لم يجيبوا على سؤالك عنادًا منهم ومكابرة للحقائق فأجب عنهم الجواب الأول الذي لا يستطيعون إنكاره ولا يجحدونه في دخيلة أنفسهم ولا يسعهم إلا التسليم به وهو قوله: {قل لله} رب العالمين الذي خلق السموات والأرض وما ذكر بعد ذلك في أول هذه السورة من الأعمال والتصرفات وهذا الجواب لتقرير توحيد الربوبية.
الجواب الثاني وما بعده لتقرير توحيد الألوهية بقوله: {كتب على نفسه الرحمة} فهو سبحانه لم يخلق الإنسان إلّا ليرحمه، وخلق له ما في الأرض جميعًا رحمة به، ويسر له سبل الهداية إلى ما يستجلب رحمة ربه، وقال عز من قائل: {ورحمتي وسعت كل شيء} وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله لما خلق الخلق كتب كتابًا عنده فوق العرش أن رحمتي تغلب غضبي» .
ورد في الحديث القدسي عن الله جل وعلا قوله: «وما غضبت على أحد كغضبي على مذنب أذنب ذنبًا فاستعظمه في جنب عفوي» وهذا الجواب لغرس حبه تعالى في القلوب، وحمل الناس على طاعته، والرجوع إليه في كل وقت بالتوبة. فهو القائل: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم} . والجواب