كلامه، كما تمثل لمريم بشرًا سويًا {وللبسنا} اللبس الاختلاط والتشابه في الأمور {عليهم ما يلبسون} أي لاشتبه الأمر عليهم ورفضوا أن يسلموا بأنه من الملائكة إذ هم لا يدركون منه إلا صورته وصفاته البشرية، التي يتمثل بها، وحينئذ يقعون في نفس اللبس والاشتباه ويصرون على طلب أن يكون معه ملك ... وهكذا.
لقد أخبر الله رسوله بما سيكون من الكافرين والمعاندين. وكان طبيعيًا أن ينقم الرسول صلى الله عليه وسلم منهم لما علمه من مبلغ عنادهم وجحودهم، وما يرتبون من أقوال يقصد إخراجه، وما يصادفه من أذاهم. فأراد السميع العليم أن يهدئ من روعه، فأخبره بأن من الأمم السابقة من لم يكتفوا برفض الدعوة، ومحاولتهم إخراج الرسل، بل تجاوزوا ذلك إلى السخرية والاستهزاء بأولئك الرسل. وقد نكل الله بهم من أجل ذلك فقال: {ولقد استهزئ} بكسر الزاي وضمها مع الوصل، والاستهزاء بالشخص احتقاره، وعدم الاهتمام بأمره والضحك عليه، مما لا يجعل مجالًا للاعتداد بآرائه {برسل من قبلك} فازدرتهم أممهم، ولم يقيموا لهم وزنًا، وقابلوا دعوتهم بالسخرية والاحتقار. وأول أولئك الرسل نوح عليه السلام إذ أرسله الله لهداية الناس {فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرًا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين} {ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون} .
{فحاق بالذين سخروا منهم} أي من أولئك الرسل {ما كانوا به يستهزئون} أي من العذاب، الذي كان الرسل يخوفونهم بنزوله. وقد وقى الله نبينا عليه الصلاة والسلام من مغبة الاستهزاء بقوله: {إنا كفيناك المستهزئين} ولذلك لم يجرؤ قومه على احتقاره بل كانوا يحفظون له كرامته، ويحسبون لدعوته حسابًا عظيمًا، ويحاولون استرضاءه، وجذبه إليهم، بمختلف الوسائل، وهو يقول: «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته» . ومن أجل هذا لم يعجل الله العذاب لأمته، وجعلهم آخر الأمم، وأمره أن يدعوهم أولًا وقبل كل شيء إلى السياحة في الأرض للتأكد من صحة أقواله، وحصول القناعة التامة بمصير المكذبين فيتحاشوا الوقوع في مثل ما وقعوا فيه فقال: {قل} أيها الرسول لمن لا يؤمن بصحة ما تقول {سيروا في الأرض} وتنقلوا في ديار أولئك