هو إلا بسبب كفرانه بالنعم وتكذيبه الرسل كقوله: {ضرب الله مثلًا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون} وقوله: {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولًا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون} .
بعد أن بين الله ما سيكون من أولئك القوم من إعراض عن تدبر آيات الله، وتكذيب دينه الحق، أخبر رسوله بما سيؤول إليه أمرهم من إصرارهم على الضلال، ومحاولتهم تعجيزه عليه الصلاة والسلام بمختلف الطلبات من خوارق العادات. فهذا شأن كل معاند، وهذه سنة الله في كل متصلب لرأيه، متمسك بتقاليد آبائه، لا يحكم عقله بل يتبع هوى نفسه. فقال: {ولو نزلنا عليك} القرآن {كتابًا في قرطاس} أي مكتوبًا في سجل خاص وأبصروه أثناء نزوله إليك من السماء {فلمسوه} عند وصوله للأرض {بأيديهم} مما لا يجعل مجالًا للقول بأنه من وضعك أو إنشائك {لقال الذين كفروا إن هذا} ما رأينا ولمسنا {إلا سحر مبين} أي واضح. فهذه السحرة تقلب العصا إلى ثعابين وتقطع الرؤوس وتسيل الدماء، وليس شيء من ذلك حاصلًا، وإنما هو من خداع النظر {وقالوا لولا أنزل عليه ملك} يساعد في نشر الدعوة بحيث يسمعون حديثه ويرون وجهه، كما اقترح مشركو العرب هذا، وحكاه الله عنهم بقوله في سورة الفرقان {وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرًا} أي أنهم من فرط غرورهم، يستنكفون من اتباع بشر مثلهم ويأبون إلا أن يطلبوا أمرًا لا يمكن تحقيقه وهو جعل الرسالة إليهم عن طريق الملائكة من المخلوقات غير المنظورة. وقد أجاب الله على قولهم هذا بالرفض لسببين: الأول قوله: {ولو أنزلنا ملكًا لقضي الأمر} أي لاكتفينا به عن إرسال الرسل من البشر {ثم} هم بعد تحقيق طلبهم هذا {لا ينظرون} فإن دستور الله في خلقه يقضي بأنه متى علقت الأمة إيمانها على شيء، وحقق الله لها ذلك الشيء، فلم تؤمن، كان هذا من موجبات هلاكها. وما كان الله ليهلك آخر الأمم الذين أنعم عليهم بخاتم النبيين من أجل عناد أفراد منهم.
السبب الثاني: قوله {ولو جعلناه} أي الرسول {ملكًا} أي من المخلوقات غير المنظورة {لجعلناه رجلًا} أي لكان لزامًا أن يأتيهم الملك على صورة رجل يرون شخصه ويسمعون