أنباء كانوا بها يستهزئون كوعده تعالى بنصر رسوله وإعلاء كلمته وإظهار دينه ووعيد أعدائه بالتعذيب والخذلان. وقد حصل وحل بالمشركين ما حل في بدر ويوم الفتح مما حمل البقية الباقية منهم على الدخول في دين الإسلام، وتطهير جزيرة العرب من عبادة الأوثان، ونشر الإسلام في كل مكان. وفي هذا دعوة إلى تدبر آيات القرآن المشيرة إلى سنن الكائنات، والاتعاظ بما فيها والعمل بمقتضاها، والتحذير من الإعراض عن تدبر آيات الله بإهمالها واتخاذها لمجرد التلاوة والبركة لا للاستفادة بهديها، واستنباط الأحكام منها، واستخراج العبر من بين ثناياها {ألم يروا} أي ألم ينظر الذين كفروا بالله، أو شكوا في عظيم قدرته، في صحائف التاريخ نظرة عظة واعتبار، ليجدوا في أخبارها {كم أهلكنا من قبلهم من قرن} القرن من الناس القوم المقترنون في زمن واحد وجمعه قرون. واختلف في عدد السنين المحددة له، فقيل إنها سبعون أو ثمانون وقيل مئة. وقال الزجاج إنه عبارة عن أهل عصر فيهم نبي أو فائق في العلم أو ملك من الملوك، فيكون عصر نوح قرنًا وإن امتد إلى زهاء ألف سنة، وعصر الصحابة قرنًا، وعصر التابعين قرنًا. والمشهور عند الناس أن القرن مائة سنة {مكناهم} أي جعلنا لهم سلطانًا وقدرة عظمى {في الأرض} حملت البعض منهم، كفرعون مثلًا، على أن يستعبد الناس ويدعي الألوهية {ما لم نمكن لكم} أي ما لم تبلغوا مثله، ولذلك لم يدع أحد منكم الألوهية التي ادعوها وإن كفر أو استخف بقدرة الله {وأرسلنا السماء عليهم مدرارًا} أي أنزلنا عليهم مطرًا غزيرًا من السماء، آية من الله تشعرهم بأن فوقهم من هو أعلى منهم ومن لا سلطان لهم عليه وهو الله الذي ينزل لهم الماء، الذي به حياة كل شيء {وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم} لينتفعوا بها كما يشاؤون دون أن يكون لهم يد في خلقها أو سلطان عليها فلم تهدهم عقولهم إلى التفكير في أمرها، والإيمان بالله خالقها ومجريها، بل كفروا بنعمه، وادعوا القدرة على كل شيء من دونه. {فأهلكناهم بذنوبهم} أي نتيجة لتجاهلهم نعم الله وعدم الاستدلال بها على ألوهيته وتكذيب رسله {وأنشأنا من بعدهم قرنًا آخرين} من حقهم ومن واجبهم أن يؤمنوا بربهم ويأخذوا لأنفسهم عبرة وعظة مما حاق بمن سبقهم من القرون التي كفرت بأنعم الله، وكذبت رسله، ولم تتدبر آياته المنزلة من عنده. وقد حث الله الناس في مواضع كثيرة من القرآن على تدبر آيات الله، والتفكر في ملكوت السموات والأرض، وما خلق الله من شيء، وأخبرنا بأن ما يصيب الإنسان من ضر أو هلاك ما