هذا أن الله تعالى كائن في السموات والأرض، وأخذ منه العامة قولهم إنه تعالى في كل مكان. مع أن الله أعلى وأجل مما قالوا لا يحويه زمان ولا مكان. والمعنى أن اسم الجلالة هذا «الله» هو علم لرب العالمين المعترف به في السموات والأرض عند المسلمين والمشركين على حد سواء. إذ يقول تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله} وهذا كما تقول إن حاتمًا هو حاتم في طي وفي جميع القبائل أي المعروف بالجود المعترف له بهذا الاسم في قومه وفي غيرهم {يعلم} أي يثبت له كمال العلم {سركم وجهركم} أي يستوي لديه أعمال القلوب وأعمال الجوارح في السموات والأرض {ويعلم ما تكسبون} أي ما يترتب على تلك الأعمال من حق مكتسب لكم من ثواب أو عقاب فلا ينبغي أن ينسب كمال العلم لأحد معه في السموات والأرض. وهو جل جلاله كما قال رسوله صلى الله عليه وسلم في حديث جبير بن مطعم: «إن الله فوق عرشه وعرشه فوق سمواته وسمواته فوق أرضه مثل القبة وأشار النبي صلى الله عليه وسلم بيده مثل القبة» وكما كانت تفخر به السيدة زينب على أزواج النبي إذ تقول: «زوجكن أهلوكن وزوجني الله من فوق سبع سموات» وهذا لا يتنافى مع القول بأن الله في السماء لأن كل ما علاك فهو سماك والله سبحانه أعلى من جميع مخلوقاته.
بعد أن سرد الله الأدلة القائمة على وحدانيته وكفّر من جحد ربوبيته وشرك من أشرك بألوهيته رغم اعتراف الجميع بسعة علمه؛ أخذ يبين ما سيكون منهم نتيجة لذلك من إعراض عن التدبر في آيات الله، وتكذيب بدينه الحق وغرور بالنفس، وتجاهل لما في تاريخ من سبقهم من عبر تدل على عظيم قدرة الله وشدة نقمته على من كفر بنعمه وكذب رسله فقال {وما تأتيهم} أنت أيها الرسول {من آية من آيات ربهم} التي أوحينا بها إليك والتي تنبههم إليها من سنن الكون الدالة على وحدانية الله بقصد إصلاحهم وهدايتهم لأقوم السبل التي فيها خيرهم وسعادتهم {إلا كانوا عنها معرضين} أي منصرفين عن تدبر معانيها وما توحي به من حكم ومواعظ ودعوة إلى الإيمان بالله والاعتماد عليه وحده {فقد} صدق عليهم بصنيعهم هذا أنهم جميعًا {كذبوا بالحق} وهو الإسلام إذ يقول تعالى في سورة أخرى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق} وقوله: {ولا يدينون دين الحق} ، {لما جاءهم} به الرسول من عند الله {فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون} أي فلا بد أن يحل بهم مصداق ما جاء في القرآن من