الحسنة وأنهم لا يريدون من وراء ذلك التعجيز ولا الاختبار {اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء} ممتلئة من الطعام الشهي المعد للأكل {تكون لنا عيدًا} أي يوم سرور وغبطة وموسمًا دينيًا {لأولنا وآخرنا} أي نحتفي به كل عام ونرتل فيه آيات شكرك نحن ومن يجيء بعدنا {وآية} أي علامة ومعجزة خالدة {منك} تذكر الناس في جميع الأوقات بقدرتك على تغيير السنن التي يظنها قصار النظر نواميس طبيعية لا تتغير ولا تتبدل {وارزقنا} الشكر عليها والإيمان بك إيمانًا كاملًا لا نحيد عنه ولا يداخلنا أي شك فيه {وأنت خير الرازقين} فأنت الذي ترزق كل حي من غير طلب، ودون أن ترجو جزاء. أما غيرك فلا يعطي أحدًا شيئًا إلا وهو يتوخى من وراء عطائه غاية، سواء أكانت دنيوية أو أخروية. {قال الله} ما دام الأمر كما ذكرت وما قصد الحواريون من قومك فاعلم {إني منزلها} بتشديد الزاي وقرئ بتخفيفها {عليكم} تحت شرط واحد هو أن تحققوا الغاية التي طلبتم المائدة من أجلها وإلا {فمن يكفر بعد منكم} بالله ولا يقدر لله تعالى هذه النعمة حق قدرها {فإني أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين} وهنا جرى كثير من المفسرين على أن هذه المائدة قد نزلت، وسمى بعضهم أنواع الطعام الذي حوته. فمن قائل إنه سمك وخبز، ومن قائل إنه لحم وخبز، ومن قائل إنه من ثمار الجنة وإنه من كل شيء إلا اللحم. ولا دليل على كل ذلك من كتاب الله وسنة رسوله. بل لقد رُوِيَ عن الحسن أنه كان يقول لما قيل لهم: {فمن يكفر بعد ذلك منكم فإني أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين} قالوا لا حاجة لنا بها فلم تنزل. ولعل هذا هو الصواب، لأنه لم يكن قصدهم من نزول المائدة التحدي بل مجرد الاستفهام. ويؤيد هذا أنه لم يرد في كتب النصارى ذكر لهذه المائدة بالمرة مع ذكرهم لكثير من الحوادث الماضية والله أعلم.
بعد أن أخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بما سيوجهه إلى رسوله عيسى من خطاب يقرر فيه ما له عليه من نعم كانت سببًا في افتتان قومه به، أخذ يخبره بأنه تعالى سيسأله يوم القيامة أيضًا على مشهد من أتباعه عما كانوا ينسبونه إليه من الألوهية أو ما كانوا يتقربون به إليه من عبادات وماذا سيكون جواب نبيهم إذ ذلك ليتدبروا الأمر ويستحضروا الجواب عليه أو ليتبوءوا مقاعدهم من النار فقال {وإذ قال الله} يوم يجمع الرسل {يا عيسى ابن مريم أأنت قلت} في حياتك الدنيا {للناس} سواء من آمن بك أم لم يؤمن اتخذوني وأمي إلهين من دون