رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب» {إلى الله مرجعكم} يوم القيامة {جميعًا} أيها المهتدون والضالون {فينبئكم بما كنتم تعملون} من خير أو شر فيجزي كلًا بما يستحق.
بعد أن أملى الله على المؤمنين حكمه العام فيما يتعلق بمسئولية الإنسان الشخصية إزاء هداية الناس والحيلولة دون ضلالهم، وختم الآية السابقة بأن المرجع إلى الله بعد الموت حيث الحساب والعقاب، أخذ يملي عليهم حكمه فيما يتعلق بمسئولية الإنسان إزاء حقوق الغير فدعا المؤمنين إلى الوصية قبل الموت وفصل الوسائل التي ينبغي أن تتبع لتنفيذ مقتضاها فقال {يا أيها الذين آمنوا} بالله واليوم الآخر والحساب والعقاب إن كان عليكم شيء من الحقوق فلا تبرأ ذمتكم منها إلا {شهادة بينكم} البين: أمر اعتباري يفيد صلة أحد الشيئين بالآخر ويطلق على الوصل والفرقة. أي عليكم أن تشهدوا شهادة تقطع ما بينكم من تنازع وتشاجر وهي واجبة {إذا حضر أحدكم الموت} أي حضور اعتبار وتذكير لأن الذي يسجل وصيته إنما يستحضر الموت ويذكر الآخرة فهو يشهد على نفسه {حين الوصية} لسماعها وتلقيها عنه والشهادة بها {اثنان ذوا عدل منكم} أي من أهل ملتكم المسلمين {أو آخران من غيركم} أي من غير المسلمين {إن أنتم ضربتم في الأرض} أي في حال سفركم إذ يتعذر وجود المسلم في ذلك الوقت {فأصابتكم مصيبة الموت} بأن بدت لكم أماراته. أما كيف تؤخذ شهادة الشاهدين من غير المسلمين فقد فصلها الله بقوله {تحبسونهما} أي تمسكونهما لأداء الشهادة {من بعد الصلاة} قيل من بعد أن يؤديا صلاتهما وقيل من بعد أن يؤدي المؤمنون أي صلاة من الصلوات. وقال الأكثرون إن المراد بها صلاة العصر لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حلّف عديًا وتميمًا في ذلك الوقت {فيقسمان بالله} على صحة شهادتهما {إن ارتبتم} أي في حالة الشك في صدقهما فيما يقرران على أن يصرحا في قسمهما بقولهما {لا نشتري به} أي بيمين الله {ثمنًا} أي لا نقبض مقابل هذه الشهادة أو هذا اليمين ثمنًا {ولو كان ذا قربى} أي ولو كان المقسم له من أقاربنا. ويصرحان أيضًا بقولهما {ولا نكتم شهادة الله} بمعنى لا نخفي شيئًا مما لدينا من الشهادة ابتغاء وجه الله ولا نكذب فيها فإن فعلنا شيئًا من ذلك {إنا إذا لمن الآثمين} المستحقين للجزاء {فإن عثر} عثر على الأمر اطلع عليه من غير طلب له. أي ظهر لكم بعد شهادة الشاهدين من غير المسلمين {على أنهما استَحَقا} بفتح التاء والحاء وقرئ «استُحِقا» بضم التاء وكسر الحاء مبينًا