قوله: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله} وقوله: {إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا} كما ذم المتفرقين المختلفين في الدين وقرر في الشرع مبدأ العلم القائم على أساس المطالبة بالدليل حيث قال تعالى: {هل عندكم من سلطان بهذا أم تقولون على الله ما لا تعلمون} ومن هذا يعلم أن التقليد في العقائد ممنوع قطعًا بل لا بد أن تكون وفق ما أمر الله. وأما في الفروع فقد قال الإمام الشوكاني رحمه الله في مسألة التقليد في كتابه «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول» ما نصه: «اختلفوا في المسائل الشرعية الفرعية هل يجوز التقليد فيها أم لا. فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا يجوز مطلقًا وقال القرافي: إن مذهب مالك وجمهور العلماء وجوب الاجتهاد وإبطال التقليد وادعى ابن حزم الإجماع على النهي عن التقليد قال ونقل عن مالك أنه قال: أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فما وافق الكتاب والسنة فخذوا به وما لم يوافق فاتركوه. وقال عند موته: وددت أني ضربت بكل مسألة تكلمت فيها برأيي سوطًا على أنه لا صبر لي على السياط. قال ابن حزم: فهذا مالك ينهى عن التقليد وكذلك الشافعي وأحمد وأبو حنيفة. وقد روى المزني عن الشافعي في أول مختصره أنه لم يزل ينهى عن تقليده وتقليد غيره» . ونحن لا نقول بعدم جواز التقليد للعامة وطلاب العلم بل لا نجيز الاجتهاد إلا للعالم المتبحر في علوم اللغة والدين ونطالبه بضرورة توضيح الدليل ليكون الآخذ عنه متبعًا لله ورسوله لا لمجرد قول إمامه. وهذا ما لا يشترطه أتباع هؤلاء الأئمة الأعلام رضي الله عنهم، بل إنهم ليعلمونهم كتبهم من غير تعرض إلى الدليل حتى أنه إذا قيل لجماعة منهم هذا ما قال الله ورسوله يقولون ولكن أئمة مذاهبنا قالوا كذا وكذا، ونحن مقلدون لهم فلا يجوز أن نخرج عما قرروه لنا من أحكام. ويزعمون أن الإجماع قد حصل على عدم الإنكار على المقلدين. ولست أدري ممن حصل هذا الإجماع فإن قيل إنه من السلف الصالح الذين هم خير القرون فهذا غير صحيح لأنهم ما كانوا يقلدون ولم ينقل شيء من هذا عنهم قط. بل كان المقصر منهم يسأل العالم عن المسألة التي تشكل عليه فيفتيه بالنصوص التي يعرفها من الكتاب والسنة، وهذا ليس من التقليد في شيء، وهذا ما يجب أن يكون. وإن قيل إنه إجماع الأئمة الأربعة فإن ما ذكره الإمام الشوكاني عنهم يخالفه، وإن قيل إنه إجماع المقلدين لهم فلا عبرة بأقوالهم فضلًا عن إجماعهم. وقد أنكر الله صنعهم وذمهم فيما تقدم من الآيات، خصوصًا وقد ترتب عليه العمل بأقوال