العادة الثالثة: هي أن الشاة إذا ولدت ذكرًا وأنثى أطلقوا عليها «الوصيلة» لأنها وصلت أخاها فيحرمون أخاها من أجلها فلا يذبحونه. العادة الرابعة: هي أن فحل الإبل إذا ضرب ضرابًا معدودًا حرموه على أنفسهم وسموه «الحامي» فلا يحمل عليه شيء. وقد جاء الإسلام بمنع كل هذه العادات والتقاليد فقال {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} فكل هذه الأسماء التي حرمها العرب في الجاهلية على أنفسهم لم يقر الله حرمتها {ولكن الذين كفروا} أي لم يكونوا مؤمنين {يفترون على الله الكذب} إذ يزعمون أن الله قد أقرهم عليها مستدلين على فريتهم هذه بقولهم: {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء} وهذا زعم ظاهر البطلان لأن نظام المشيئة لا يكره أحدًا على فعل شيء بعينه بل يجعل الناس أحرارًا فيما يقولون وما يفعلون فلا يعد تمسكهم بعاداتهم دليلًا على إقرار الله لها وقد نفاها الله بهذه الآية ليقطع حجتهم بتاتًا {وأكثرهم لا يعقلون} إذ لو عقلوا لقالوا لا نسلم بحرمة هذه الأشياء ما دام الله لم ينزل وحيًا بها خصوصًا وإن الأسباب التي يحرمون من أجلها على أنفسهم تلك الأنعام لا تصلح لأن تكون دليلًا معقولًا على حرمة شيء أحله الله ثم ثنى سبحانه وتعالى على هذا بما مر من تقليد الآباء في معتقداتهم فقال {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله} في القرآن {وإلى الرسول} فيما ثبت عنه من الأحكام المؤيدة بالحجج والبراهين القائمة على أساس درء المفاسد وجلب المصالح لا على مجرد العبث والخرافات {قالوا حسبنا} أي يكفينا {ما وجدنا عليه آباءنا} وسادتنا وعلماءنا ومشايخنا من عقائد وأحكام، فهم بلا شك أدرى منا بشئون ديننا وأعلم بما يحل وما يحرم وقد رد الله على قولهم هذا بقوله {أولو كان آباؤهم} أو مشائخهم من الجهل وقصر النظر بحيث {لا يعلمون شيئا} من حقائق الإسلام وأسرار التشريع {ولا يهتدون} إلى طريقة استنباط الأحكام على ضوء فهم معاني القرآن وصحيح السنة فهما صحيحًا بالنظر لما وقر في أذهانهم من آراء وتأويلات بعض المتقدمين. وإن مما يؤسف له أن المسلمين قد انحرفوا عن منطوق هذه الآية فصاروا يتمسكون بالعادات والتقاليد ويحافظون عليها أكثر من محافظتهم على عباداتهم كما أنه سرت فيهم منذ القرن الرابع بدعة التقليد والتعصب لآراء الأئمة المجتهدين. ويروون في هذا بعض أحاديث لا صحة لها كقولهم: «من قلد عالمًا لقي الله سالمًا» وقولهم: «اختلاف أمتي رحمة» مع علمهم بأن الله قد نهى عن التقليد وذم المقلدين في آيات كثيرة منها