الصفحة 699 من 1760

والخوف من عقابه. وهنا أراد جل جلاله أن يشعر الناس بأنه تعالى إلى جانب علمه بكل صغيرة وكبيرة من خلقه وأعمالهم قد اتصف بصفتين متعارضتين ومن حقه تعالى أن يعامل عباده بمقتضى ما شاء منهما فقال: {اعلموا أن الله شديد العقاب} أي أنه قادر على تطبيق أحكام العقوبة على مستحقيها متى أراد {وأن الله غفور} لمن استغفره {رحيم} بمن يريد جل شأنه أن يرحمه لا معارض له في ذلك وليس لأحد من مخلوقاته على ذلك أي اعتراض و {ما على الرسول إلا البلاغ} أي تنحصر مهمته في إبلاغكم ما أرسل به إليكم ولكم بعد ذلك كامل الخيار في جميع تصرفاتكم ونواياكم {والله} وحده هو الذي {يعلم ما تبدون} من عمل {وما تكتمون} من مقاصد خيرًا كانت أو شرًّا {قل} يا أيها الرسول لكل من آمن بك {لا يستوي} عند الله {الخبيث والطيب} في كل شيء فلا يمكن أن يترك الأمر فوضى ولا يليق بعدله وحكمته أن يجعل الذين اجترحوا السيئات كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا أن يسوي بين الخبيث والطيب والكافر والمؤمن والمفسد والمصلح فللأول عقابه وللثاني جزاؤه {ولو أعجبك} أي وإن استعظمت في نفسك {كثرة الخبيث} بمعنى إن قلت كيف يطغى الفساد والظلم من الخبيث الذي يمقته الله على الطيب من الصلاح والعدل الذي يرضاه الله {فاتقوا الله} أن تقولوا لماذا سمح الله بهذا في أرضه وهو القادر على محق كل عاصٍ وكل مفسدٍ ظالمٍ {يا أولي الألباب} إذ العقول النيرة تدرك أنه لا بد لذلك من حكمة يعلمها الله {لعلكم تفلحون} إذ تدركون أنه لولا ظلم الناس وفسادهم لما تجلت رحمته بهم وغفرانه لخطاياهم.

بعد أن أخبر الله المؤمنين بما اقتضته حكمته تعالى من تحريم بعض الطيبات لاختبار طاعتهم وتعظيم بعض الماديات في سبيل مصلحتهم أخذ ينهاهم عن التدخل فيما لا يعنيهم أو ما ليس من الدين السؤال عنه فقال {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} رُوِيَ أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس يومًا على المنبر وهو غاضب فقام إليه رجل فقال أين أبي فقال في النار فقال آخر من أبي قال أبوك حذافة فقالت أم عبد الله بن حذافة ما رأيت ولدًا أعق منك قالت أكنت تأمن أن أمك قد قارفت ما قارف أهل الجاهلية فتفضحها على رؤوس الناس فقال والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته فقام عمر بن الخطاب فقال رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا وبالقرآن إمامًا إنا يا رسول الله حديثو عهد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت