يأكل منه لما رُوِيَ عن أبي قتادة أنه صاد حمارًا وحشيًا فأكل منه جمع من المحرمين ثم استفتوا رسول الله في ذلك فقال «هل أشار إليه أحد أن يحمل عليه أو أشار إليه» فقالوا: لا قال «فكلوه» {واتقوا الله الذي إليه تحشرون} بمعنى إياكم أن تكونوا كأصحاب السبت في ارتكاب جريمة الاحتيال على الله في أمر الصيد.
بعد أن أخبر الله المؤمنين بأن تحريمه تعالى لبعض الطيبات إنما هو لاختبار مبلغ طاعتهم لأوامره والعلم بمن يخافه بالغيب ثم أمرهم بعدم قتل الصيد في حال الإحرام أو في أرض الحرم وبين ما يترتب على مخالفة ذلك من عقوبات من شأنها أن تجعل الوحش والطير في مأمن على حياته في تلك الجهة أردف هذا بإخبارهم أنه تعالى قد شرع في الدين أمورًا تأباها طبيعة المسلم الذي لا يرضى الرضوخ لشيء من الماديات ولذا نبه إليها وبين الغاية منها فقال {جعل الله الكعبة} وهي القطعة المكعبة من الأرض في أم القرى التي بناها إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام {البيت الحرام} أي جعلها بيتًا له يستحق الاحترام مع أن الله جل جلاله ليس بشخصية مادية حتى يحويه مكان أو زمان ولكنه تعالى إنما فعل ذلك ليكون {قيامًا} وقرئ «قيمًا» بحذف الألف {للناس} أي معدًا ومهيئًا لهم يعتكفون حوله ويتجهون صوبه ويحجون إليه ويرعون حرمته ليكون موضع أمان لهم فلا يعتدي أحد على آخر فيه كما قال في آية أخرى: {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنًا} {والشهر الحرام} أي أن الله قد جعل بعض الأشهر حرامًا {والهدي} أي وحرم الاعتداء على ما يهدى إلى البيت الحرام {والقلائد} وحرم نزع القلائد التي تميز الهدي عن سواه لغاية نبيلة ومقصد سام.
{ذلك} أي الجعل {لتعلموا أن الله} جلت قدرته {يعلم ما في السماوات وما في الأرض} من جميع المخلوقات وطبائعهم وعاداتهم وما يحتاجون إليه من وسائل الإصلاح فإنه إذ يعلم أن من طباع العرب قوة الشكيمة والاعتداد بالنفس ألقى في قلوبهم اعتقادًا قويًّا بوجوب تعظيم مناسكه فصار هذا سببًا في حصول الأمن في البلد الحرام والشهر الحرام لتستقيم مصالح معاشهم ولولا ذلك لما أحجموا عن انتهاك حرمة البيت الحرام وأشهره والأعمال التي تؤدي فيه وهم على ما كانوا عليه من جاهلية وغلظة وقتل الأنفس وسلب الأموال {وأن الله بكل شيء عليم} أي ولتعلموا أيضًا أنه تعالى بكل شيء عليم فيكون هذا خير مروض لكم على طاعة الله