آمنوا بالله من الأحياء والميتين {وعملوا الصالحات} التي دعاهم الله لإتيانها {جناح} أي إثم فلا يؤاخذون عليه {فيما طعموا} أي أكلوا من الميسر أو شربوا من الخمر فيما مضى قبل تحريمها {إذا ما اتقوا} في ذلك العهد ما كان محرمًا عليهم {وآمنوا} بما أنزل الله من آيات {وعملوا الصالحات} التي أمر الله بها من الصلاة والصيام والجهاد {ثم اتقوا} ما حرمه الله بعد ذلك من الخمر والميسر عند العلم به {وآمنوا} بأن ذلك لم يكن إلا لخير الإنسان ومصلحته {ثم اتقوا} الوقوع في الإثم من كل أمر لم يرد فيه نص صريح {وأحسنوا} بترك ما أشتبه عليهم أمره خوفًا من الله {والله يحب المحسنين} أعمالهم وهم الذين يراعون في جميع تصرفاتهم وجه الله والتقرب إليه.
لقد افتتح الله هذه السورة بقوله: {أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم} ثم نهى سبحانه عباده المؤمنين عن تحريم الطيبات وحضهم على أكل ما حل وطاب ثم استثنى من ذلك ما كانوا يستطيبونه من الخمر والميسر وقال: إنهما رجس من عمل الشيطان يجب اجتنابه ثم أراد أن يشعرهم بأنه إذا كان هناك ما هو حلال وطيب بلا جدال وحرمه الله عليهم في وقت معين فليس من حقهم أن يعصوا أمره بل عليهم أن يعلموا أنه لا بد وأن يكون لذلك من حكمة بينها سبحانه وتعالى بقوله {يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم} أي ليختبر طاعتكم من معصيتكم {الله بشيء من الصيد} أي صيد البر في حال إحرامكم أو في أرض الحرم {تناله أيديكم ورماحكم} أي يدنو منكم ويصبح ميسورًا عليكم. قال مقاتل بن حيان أنزلت هذه الآية في عمرة الحديبية فكانت الوحش والطير تغشاهم في رحالهم بشكل لم يروا مثله قط فنهاهم الله عن قتله وهم محرمون كما نهى بني إسرائيل عن صيد البحر في يوم السبت {ليعلم الله} علم تسجيل للواقع الثابت الذي يجزي الله بمقتضاه {من يخافه بالغيب} فلا يقدم على الصيد ولا يحتال للحصول عليه بوسائل أخرى كما فعل بنو إسرائيل {فمن اعتدى بعد ذلك} البيان والإشعار بأن الغاية منه إنما هي الاختبار وفشل فيه {فله عذاب أليم} لأنه لم يبال باختبار الله له وسجل على نفسه أنه ممن لا يخاف الله بالغيب كما يخاف من سيطرة الحكام {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد} من كل ما يؤكل لحمه أما ما لا يحل أكله فلا يسمى صيدًا لقوله صلى الله عليه وسلم: «خمس فواسق لا جناح على المحرم أن يقتلهن في الحل والحرم. الغراب والحدأة