عمد جماعة من الصحابة إلى مثل هذا فقال بعضهم لا آكل اللحم وقال بعضهم لا أتزوج النساء وقال بعضهم لا أنام على فراش. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا لكني أصوم وأفطر وأنام وأقوم وآكل وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» وأنزل الله قوله {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} فكما لا يجوز استحلال المحرمات، لا يجوز أيضًا تحريم ما أحل الله من الطيبات، فإن ذلك يعد بمثابة ما كان عليه العرب قبل الإسلام من تحريمهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي: وتحريم الطيبات عام ينطبق على من يحرم الشيء على نفسه بنذر أو يمين أو على غيره بإفهامه بأن ذلك من الدين أو أن فيه قربة إلى الله {ولا تعتدوا} أي لا تتجاوزوا حد الاعتدال في كل شيء بمعنى أنه ليس معنى عدم تحريم الطيبات أن تمعنوا فيها وتنصرفوا إليها كليًا كأن تسرفوا في الإنفاق وتبالغوا في الشبع {إن الله لا يحب المعتدين} أي الذين يتجاوزون حدود شريعته وسنن فطرته ولو بقصد عبادته {وكلوا} المراد بهذا التمتع فيشمل الشرب أيضًا {مما رزقكم الله} أي من كل شيء أنعم الله به عليكم من أنواع الرزق على شرط أن يكون ذلك الرزق {حلالًا} في نفسه أو طريقة كسبه ليخرج من ذلك الميتة وغيرها من المأكولات وما ينال عن طريق غير مشروع كالربا وأكل أموال الناس بالباطل {طيبًا} أي غير ضار بالصحة أو العقل فيخرج كل مستقذر في نفسه أو بفساده أو نجاسة طرأت عليه وكل مسكر ومخدر {واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون} أي احذروا أن يراكم الله على وضع تتجاوزون فيه حدود ما أحل وما حرم ولا تفتاتوا عليه بتعيين ما يرضيه وما يسخطه غير ما أخبركم به سبحانه عن طريق رسله إذ الإيمان بالله يوجب عليكم الوقوف عند حد الاتباع والحذر من الابتداء. ولما كان تحريم الإنسان الطيبات على نفسه إنما يكون بطريق الالتزام بيمين أو نذر وهنا يكون الإنسان في حرج من أمره أيبر بقسمه ويفي بنذره أم يرجع في قوله إطاعة لأمر ربه، فأمر سبحانه بضرورة اتباع أوامره والكف عن تحريم ما أحل الله وأرشده إلى المخرج له من هذا بقوله {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} أي إن كان التزامكم التحريم ناشئًا عن مجرد يمين صدر منكم عفوًا وعن غير قصد فهذا لا يترتب عليه أي شيء أمام الله ولا يحتاج إلى تحلة القسم لأن العبرة بالنية {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم} بالتشديد وقرئ بالتخفيف وقرئ «وعاقدتم» {الأيمان} أي بما قصدتموه وصممتم عليه منها {فكفارته} أي فتحلة هذه