الصفحة 692 من 1760

عنه وإذكاء نار الفتنة والبغض بيننا وبين النصارى لساد الصفاء والود بيننا وبينهم وانتشرت في العالم ألوية السلام {وإذا سمعوا} أي أولئك النصارى {ما أنزل} من القرآن {إلى الرسول} محمد صلى الله عليه وسلم {ترى} أيها الناظر إليهم {أعينهم تفيض من الدمع} أي يتساقط الدمع منها من غير شعور {مما عرفوا من الحق} من للتبعيض أي لمعرفتهم بعض الحق وهو أن هذا كلام الله بما يجدونه فيه من روعة وطلاوة وعذوبة تستهوي القلوب دون تدبر معاني القرآن فكيف لو عرفوا الحق كله بسماع كلام الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا أمر شهدته بنفسي إذ كانت تزورنا بمصر امرأة مسيحية وكانت تحرص على فتح المذياع ساعة تلاوة القرآن وتبكي لسماعه ولا تستطيع أن تعبر عن شعورها، رغم تمسكها بديانتها. كما أخبرني غير واحد من أصحابي أن كثيرًا من المسيحيين يفتحون المذياع صباحًا لسماع القرآن ويتأثرون به وقد أخبرنا الله من أمرهم أنهم {يقولون} في سرهم {ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين} بصحة هذا الدين ونبوة رسوله ولعلهم لا يستطيعون الجهر بهذا خوفًا من قومهم على أنفسهم أو على أموالهم ومراكزهم {وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق} هذا تقريع منهم لأنفسهم على عدم إعلان إسلامهم وقد أخبرنا الله عنه وعن قولهم {ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين} وهذا أيضًا أمل قد يجيش في قلوب البعض منهم ولكن لا يجهرون به {فأثابهم الله بما قالوا} من الإيمان الخالص الناشئ عن ما عرفوا من الحق وما أعقبه من تقريع أنفسهم وطمعهم في رحمة الله {جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} وفي هذا إشارة إلى أن العبرة بإيمان القلب وتقريع الضمير وخلوص النية فيما إذا حال حائل دون إعلان إسلامهم وتقبل الله عذرهم ورحمهم متى عملوا بما يقتضيه ذلك من الصالحات {وذلك جزاء المحسنين} أي الذين يراقبون الله في سائر أعمالهم إذ الإحسان هو أن يعبد الإنسان الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإنه يراه {والذين كفروا} بالله وأنكروا وجوده {وكذبوا بآياتنا} المنزلة على رسلنا {أولئك أصحاب الجحيم} أي الذين قضى الله بإقامتهم الدائمة فيها.

لقد علل الله مودة النصارى للمؤمنين في الآيات السابقة بأن منهم قسيسين ورهبانًا فكان من مقتضى هذا أن يرغب المؤمنون في الرهبانية ويظن الميالون إلى التقشف والزهد أنها مرتبة كمال تقربهم إلى الله تعالى وهي إنما تتحقق بتحريم الإنسان على نفسه شيئًا من الطيبات. ولذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت