الصفحة 69 من 1760

خير يرجى منهم ما داموا على هذه الحال {ومن الذين أشركوا} ستجد أيضًا من يحرص على الحياة بحيث {يود أحدهم لو يعمر ألف سنةٍ} والحياة الدنيا إنما جعلت لتكون مزرعة للآخرة، وسبيلًا للتخلص من عذاب الله، فماذا تفيدهم الحياة إذا لم يستغلوها في سبيل إرضاء الله؟ وماذا يجديهم طول العمر إذا ما انتهى بالموت {وما هو بمزحزحه من العذاب أنه يعمر} على أن إطالة العمر لا تزحزح عن العذاب، فلأي شيء إذن كل هذا الحرص على الحياة؟ {والله بصيرٌ بما يعملون} والله مطلع على ما يصنعون، وسيحاسبهم حسابًا عسيرًا على كل ما اقترفوه في هذه الحياة التي فتنوا بحبها، ومضوا فيها على غير هدى.

وهذا تحذير للمؤمنين من التكالب على الدنيا، والتفاني في سبيلها إلى حد يدعو إلى كراهة الموت، لئلا يتقاعسوا عن واجب الجهاد لإعلاء كلمة الله، ويضنوا عن الإنفاق في سبيله، وهذا من أكبر العوامل في تأخر الأمم؛ ولذا قال صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن تداعى الأمم عليكم كما تداعى على القصعة أكلتها، قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: لا بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهة الموت» .

«الطبع التاسع» من طبائع بني إسرائيل: خصومتهم لكل من يدعو إلى الحق، وقد تجلى ذلك في إعلانهم الخصومة ضد جبريل باعتباره هو الملك الذي عهد إليه إنزال القرآن على النبي العربي، فإنهم لما طبعوا عليه من عداوة كل داع إلى الحق، زعموا أن جبريل عدوهم، لأنه أمر أن يجعل الرسالة فيهم، فجعلها في غيرهم. وقالوا للمؤمنين لو أن ميكائيل هو الذي ينزل عليكم لاتبعناكم فإنه ينزل بالرحمة والغيث، فكشف الله سرهم، وصرح لهم بأن عداوة الداعين للحق عداوة للحق نفسه، بل عداوة للآمر به وهو الله سبحانه وتعالى حيث قال {قل} أيها الرسول {من كان عدوًّا لجبريل} بكسر الجيم وقرئ بفتحها وكسر الراء وقرئ أيضًا بفتح الجيم والراء مهموزًا بمعنى أن من كان يعاديه للسبب الذي يزعمونه فإن عداءه باطل، لأنه لم يكن لجبريل أي تصرف في الأمر، بل هو ملك رسول منفذ لإرادة ربه. وعند ما أمر بتبليغ القرآن إليك {فإنه نزله على قلبك} عن حكمة إلهية {بإذن الله} وأمره، وهذه الحكمة هي أن يكون {مصدقًا} ومؤيدًا {لما} سبق {بين يديه} من كتب الأنبياء السابقين، ليكون دينًا قيمًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت