نفع نفسه فهو عن نفع غيره أعجز (وَاللهُ) وحده الحي الدائم الذي لا يموت (هُوَ السَّمِيعُ) لدعاء من يدعوه (الْعَلِيمُ) بوسائل نجدة من يستنجد به فيمده في ساعة الشدة بما لم يكن في الحسبان (قُلْ) يا أيها الرسول (يَا أَهْل الْكِتَابِ) من أمة موسى وعيسى ومحمد عليه الصلاة والسلام (لَا تَغْلُوا) الغلو الإفراط وتجاوز الحد في كل شيء (فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ) بمعنى لا تتجاوزوا في أمور دينكم الحد الذي وضعه لكم رسلكم ونزلت به كتبكم ولا تطروا أنبياءكم وصلحاءكم حتى تجعلونهم في منزلة أعلى من المنزلة التي وضعهم الله فيها من أنهم عباد مكرمون أو صالحون كما لا يجوز أن تثبتوا لهم سلطة غيبية ومكانة قدسية تسوغ لكم دعاءهم والاستنجاد بهم في الملمات والاعتماد على جاههم وشفاعتهم لكم عند فاطر السماوات أو اتباع ما يأمرونكم به حتى ولو خالف صريح الآيات (وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ) أي لا تتمسكوا بعبادات وتقاليد آبائكم الضالين الذين كانوا
يحكمون أهوائهم ولا يعلمون بما جاء به رسل الله (وَأَضَلُّوا كَثِيرًا) من أبنائهم ومريديهم الذين عاجزوا رسلهم إذ قالوا (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون قال أَوَلَوْ جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون) (وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) بالغلو في الدين أو الزيادة فيه بما ابتدعوه من كل أمر يوهم أنه من الشريعة ولم يكن منها وأهل البدع ممن يقول على الله غير الحق بلسانه أو فعله ويضل عن سواء السبيل وقد روى في حقهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم «لا يقبل الله لصاحب بدعة صوما ولا صلاة ولا حجة ولا عمرة حتى يدعها» بل عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ولقد كان من نتيجة الغلو في الدين وإتباع الآباء من دون أحكام الله أن (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) بالله واللعن أشد ما يعبر به الله عن منتهى غضبه ونقمته فالملعون منه محروم من عطفه ورحمته (مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) فهذان النبيان قد أخبرا بلعن الله لهم و (ذَلِكَ) اللعن إنما حصل (بِمَا عَصَوْا) أي بسبب عصيانهم لأوامر ربهم (وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) أي وبسبب اعتدائهم بمعنى ظلمهم وتجاوزهم على سائر الحقوق وفوق هذا إنهم (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ) أي أنهم كانوا يستسيغون الفواحش والآثام فلا ينكرون على مقترفيها وهي بين سمعهم