الصفحة 663 من 1760

بربها حق الإيمان وكانت أول من صدقت برسالة ابنها من يوم ولادته فلا يمكن أن تنجب إلها بل إنها وابنها (كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ) وكل من يأكل الطعام فهو مفتقر إلى ما يقيم بنيته ويحفظ له الحياة وكل مفتقر إلى غيره أو إلى ما يقوم حياته فهو ممكن مساو لسائر الممكنات المخلوقة في حاجتها إلى غيرها فلا يمكن أن يكون ربًا خالقا ولا ينبغي أن يكون ربًّا معبودًا (انْظُرْ) أيها الرسول أو أيها السامع (كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ) أي لهؤلاء النصارى (الْآيَاتِ) البراهين العقلية على بطلان ما ينسبونه إلى السيد المسيح (ثُمَّ انْظُرْ) بعد ذلك (أَنَّى يُؤْفَكُونَ) الإفك الكذب وأفكه عن رأيه صرفه وقلب رأيه أي انظر كيف أنهم لا يحكمون عقولهم في الأمر وينصرفون عن حكم العقل فلا ينتقلون من إثبات المقدمات إلى الإيمان بالنتائج كما هو شأنهم في كل شيء ما عدا العقائد التي جمدوا فيها عند حد التقليد الأعمى الذي عطل عليهم مشاعرهم وجعلهم يؤمنون بعقيدة لا تهضمها إلا عقولهم ولا ترضى بها إلا نفوسهم.

بعد أن بيّن الله لرسوله الأسباب التي دعت إلى حرمان اليهود والنصارى من ثمرة أعمالهم وهي عدم وفاء اليهود بمواثيقهم ومحاربة رسله وكفر النصارى بالمبالغة في تمجيد عيسى ورفعه إلى مقام الألوهية وقد أثبت الله فساد عقائدهم بأدلة عقلية ومنطقية ودعاهم إلى الرجوع عنها بالتوبة والاستغفار ثم إنه أمر رسوله أن يناقشهم في الأمر عن طريق العقل ويسدي إليهم خالص النصح فقال (قُلْ) يا أيها الرسول للنصارى الذين يعتقدون ألوهية عيسى ومن على شاكلتهم (أَتَعْبُدُونَ) سبق لنا القول بأن المراد من العبادة ليس هو مجرد الصلاة والصيام وأمثال ذلك كما يتوهم البعض إذ الصلاة عند النصارى غيرها عند اليهود غيرها عند المسلمين وإنما يجمعها الدعاء كما قال صلى الله عليه وسلم «الدعاء مخ العبادة» وفي رواية «الدعاء هو العبادة» فيكون المعنى أتدعون (مِنْ دُونِ اللَّهِ) لتفريج الكرب وقضاء الحوائج (مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا) من الميتين والغائبين فالعاقل يأبى أن يوجه نداء إلى غائب أو يستنجد بميت أو جماد والنصارى الذين يزعمون صلب عيسى لا يجحدون غيبته عنهم ولا ينكرون أنه لم يستطع نفع نفسه بتخليصها من الصلب ولا إيقاع الضر بمن راموا صلبه فما كان لهم بعد هذا أن يوجهوا إليه الدعاء وهم يعلمون أنه لا يملك لهم نفعا ولا ضرا لأن من عجز عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت