ولذلك نراهم يتوجهون إليه بالدعاء ويرجون منه قضاء الحاجات وهذا عمل يعبر عن اعتقادهم بأن الله هو المسيح بلا جدال (وَقَالَ الْمَسِيحُ) أي والحال إن المسيح نفسه قد قال في دعوته في الإنجيل الذي بين أيديهم (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ) وهذا اعتراف صريح منه بربوية الله وأمر بإفراده تعالى بالعبادة فمن أين لهم أنه هو الله؟ وغير هذا فإنه عليه السلام قد حذر أتباعه من أن يشركوا مع الله غيره حيث قال (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ) ويزعم أنه له تعالى شريكا في الخلق والتدبير والأمر والنهي (فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ) يوم القيامة (وَمَا لِلظَّالِمِينَ) أنفسهم بتأليه المسيح أو إشراك غيره معه في الآخرة (مِنْ أَنْصَارٍ) يشفعون لهم لدخول الجنة والخروج من النار (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ) وهذا ما يعبرون عنه بالأقانيم الثلاثة الأب والابن وروح القدس (وَ) الحال أنه (مَا مِنْ إِلَهٍ) متصف بالوحدانية في واقع الأمر (إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ) لا تركيب في ذاته ولا يجوز عليه التعدد فالقول بأن الابن إله واعترافهم بأنه صلب وأنه لم يعد له وجود ينافي اشتراكه في الألوهية ومتى بطلت ألوهيته بطل التثليث ولم يبق إلا القول بوحدانية الله الخالق المعبود والقادر على كل شيء وهذا ما يقبله العقل والمنطق ويحمل رجال الدين من المسيحيين على القول بأن «الثلاثة في حكم واحد» (وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ)
من هذه العقيدة الفاسدة الشائعة عندهم (لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ) أي الذين يصرون على هذا القول من النصارى (عَذَابٌ أَلِيمٌ) في الآخرة (أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ) أي ألم يكن الأجدر بهم بعد ما جاءتهم الآيات المبطلة لهذه العقيدة الفاسدة أن يرجعوا عنها ويتوبوا إلى الله من القول بها ويطلبوا منه الغفران (وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) يقبل التوبة منهم ويعفوا عن السيئات ويشمل برحمته كل من يشعر بحاجته إلى رحمة مولاه. والحقيقة التي يجب أن يدين بها الجميع هي ما أخبرنا بها الله من أنه (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ) من البشر أرسله الله لهداية قومه وليس في هذا ما يحط من قدره أو يزري بمقامه (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) من عند الله ولم يدع أحد منهم الألوهية لنفسه كما أنه لم يقل قط عن نفسه أنه شريك مع الله (وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ) من فضليات النساء التي زكت نفسها وصفت سريرتها وآمنت