لهم من الأحكام عاملوهم بإحدى طريقتين (فَرِيقًا) من الرسل (كَذَّبُوا) أي كذبهم بنو إسرائيل (وَفَرِيقًا) من الرسل (يَقْتُلُونَ) وهذا كما قال تعالى في آية أخرى (أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون) أي يعمدون إلى قتل الرسل من غير ذنب إلا أن دعوهم إلى عبادة ربهم (وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ) بنصب النون ورفعها قراءتان (فِتْنَةٌ) أي اختبار ليرجعوا إلى ربهم بما أنذرهم به من قبل إذ قال (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين) وأشار إليهما هنا بقوله (فَعَمُوا) عن التدبير في آيات الله المنزلة (وَصَمُّوا) عن سماع مواعظ أولئك الأنبياء ولم يتبعوا أحكام الله ولم يهتدوا بهديه بل اتبعوا أهواءهم وانهمكوا في الظلم والفساد حتى سلط الله عليهم البابليين فجاسوا خلال الديار وأحرقوا المسجد الأقصى ونهبوا الأموال وسلبوهم الملك والاستقلال (ثُمَّ تَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ) ورحمهم وأعاد إليهم ملكهم وعزهم وأرسل لهم رسلا آخرين ينذرونهم عذاب الله ونقمة (ثُمَّ عَمُوا) ولم يتعظوا بالماضي (وَصَمُّوا) عن تقبل الهداية وعاد (كَثِيرٌ مِنْهُمْ) إلى ظلمهم وإفسادهم في الأرض وقتلهم الأنبياء بغير حق فسلط الله عليهم للمرة الثانية الفرس ثم الروم «الرمانيين» فأزالوا ملكهم واستقلالهم وشردوهم في الأرض والآفاق وفقا لدستور الله الذي يقضي بأن الله يعاقب بالذنوب إذا كثرت وعمت وشاعت ولا عبرة بصلاح النذر القليل فالنادر لا حكم له كما قال تعالى (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) وهذا كقول المثل «الخير يخص والشر يعم» (وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) أي في الحاضر والمستقبل من إعراض عن كتاب الله وعدم إتباع شريعة خاتم أنبيائه ومحاربة الداعين
إليه فلا بد أن يذيقهم الله من العذاب ألوانا وفقا لقوله تعالى (وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب) هذا ما كان من أمر اليهود أما النصارى فإنهم لم يفعلوا مثل فعلهم ولم يقتلوا أنبياءهم بل إنهم على العكس منهم أطروا عيسى حتى رفعوه إلى مقام الألوهية فكان هذا جرما سجله الله عليهم بقوله (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) يزعم المسيحيون اليوم أنهم لم يقولوا إن الله هو المسيح ونحن نقول إنهم بلا شك لا ينكرون إنهم يثبتون له النفع والضر