من الإيمان بوحدانية الله وإخلاص الأعمال له وإتباع من بشر ببعثته من النبي الذي يجيء من ولد إسماعيل (وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) على لسان خاتم أنبيائه وهو القرآن المجيد الذي أكمل الله به سائر الأديان وجعله نظاما عاما للبشر يتمشى مع سنن الكائنات وتطور الزمان والله سبحانه وتعالى إذ أمر رسوله بأن يصارح أهل الكتاب بهذه الحقيقة دون خوف أو وجل أخبره إلى جانب هذا بما يعلمه سبحانه من أن هذه الصراحة سوف لا ترضيهم فقال (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا) إذ تأخذهم العصبية والأنانية فيعرضوا عنك ويكيدوا لك (فَلَا تَأْسَ) أي لا تحزن (عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) لأنهم ليسوا على شيء ما لم يقيموا التوراة والإنجيل. ولما كان هذا الحكم عامًا ينطبق على أتباع جميع الرسل فلا فضيلة إلا بالإيمان بالله واليوم الآخر وعمل الصالحات قال (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) من أتباعك أنت أيها الرسول في مقدمة الجميع (وَالَّذِينَ هَادُوا) من أتباع موسى (وَالصَّابِئُونَ) وقري «والصابون» بحذف الهمزة ونقل ضمتها إلى الباء وهم الذين يزعمون أنهم على دين نوح (وَالنَّصَارَى) من أتباع عيسى كل هؤلاء (مَنْ آمَنَ بِاللهِ) أي من كان صادقا منهم في إيمانه بوحدانية الله (وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) بمعنى صدق بما أخبر به الرسل في عصورهم من الحساب والعقاب (وَعَمِلَ صَالِحًا) وفق ما أنزل على رسلهم من الكتب دون تحريف أو تبديل (فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) من عذاب الله فالله لا يعذب عبده المؤمن بوحدانيته ولم يتخذ معه شريكا وأخلص عمله لوجهه الكريم (وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) على أمر ضاع منهم طالما هم متمسكون بهذه الأسس الثلاث وإلا فكل ما يعملون هباء لا قيمة له وليسوا جميعًا على شيء وبالنظر لما حصل في التوراة والإنجيل من تحريف وتغيير وتبديل أنزل الله القرآن بتصحيحها قال تعالى (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه) .
بعد أن أمر الله رسوله بتبليغ رسالته في الحال وأمره بمصارحة أهل الكتاب بأنهم ليسوا على شيء حتى يقيموا التوراة والإنجيل أخذ يوضح له السبب في ذلك فقال (لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) أي عهدًا عليهم بالإيمان بالله فهم لا يجحدون وجود الله الخالق لهم (وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا) تبلغهم أوامره فكان موقفهم حيال تلك الأوامر أنه (كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ) من عند الله (بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ) أي بما لا يروق