لقد عدد الله لرسوله مساوئ أهل الكتاب واليهود بصورة خاصة وأخبره بما سيجزي به الله أعمالهم حسب نظام قدره ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم من البشر ربما يحجم عن تبليغ ما أوحى إليه في الحال ويستعمل الحكمة في ذلك بأن يتحين الفرص المواتية للجهر بكل ما عنده وتقبل الناس لدعوته والأمن على نفسه من شرهم أراد السميع العليم أن يشعره بأنه لا حق له في الاجتهاد في تخير الوقت المناسب لتبليغ الوحي وعليه أداء الرسالة في الساعة التي يأتيه الوحي بها فقال (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) واصدع بما تؤمر من ذكر معايب أهل الكتاب في الحال ولا تخف من أن يسفه الناس قولك أو يلحقوا بك أذاهم (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ) ما أمرت به من التبليغ بما أنزل إليك ولو مؤقتا (فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) وقرئ «رسالتِه» بخفض التاء أي فإنه يصدق عليك في هذه الحالة أو في تلك الفترة بلا شك أنك لم تبلغ ما أوحى به إليك والله أدرى بالمصلحة من التبليغ أما ما قد ترمي إليه من حذر من إيذاء الناس ذلك قبل أن تؤدي رسالتك كاملة فقد كفاك الله أمره بقوله (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) أي يحفظك من أذى من يريد إيذاءك منهم (إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي) إلى معرفة مدى قدرته على عصمة المبلغين لرسالته والداعين إليه (الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) بالله أي الذين لا يقدرون عظمة الله ومدى قدرته وهيمنته الخفية على سائر القوى الغيبية التي تكمن وراء هذه الأشياء المادية ولست منهم أيها الرسول بلا شك ولا ريب فثق بعصمة الله لك، روى أبو هريرة قال كنا إذا صبحنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر تركنا له أعظم شجرة وأظلها فينزل تحتها فنزل ذات يوم تحت شجرة وعلق سيفه فيها فجاء رجل فقال يا محمد من يمنعك مني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الله يمنعني منك ضع السيف» فوضعه وفي رواية عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: يا محمد أعطني السيف أشيمه فأعطاه إياه فرعدت يده حتى سقط السيف منها فقال صلى الله عليه وسلم «حال الله بينك وبين ما تريد» (قُلْ) أيها الرسول بكل صراحة ولا تخف (يَا أَهْل الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ) من أمور الدين ولا أجر لكم على أي عمل تقومون به أو عبادة تؤدونها (حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ) أي ما لم يكن ذلك قائما على أساس ما جاء فيهما