والبصر والكلام إلا أعراضا تقوم بجوارحنا فكما نقول إن حياة الله ليست عرضا وعلمه وبصره كذلك بل هي صفات تليق به لا كما يليق بالمخلوقين نقول إن يده وعينه وفوقيته واستواءه ونزوله صفات ثابتة حقيقتها لله تعالى كما أخبر عن نفسه ولكنها غير مكيفة بما نشاهده من حالة البشر وصفاته تعالى معلومة من حيث الجملة والثبوت بحسب ما
تدل عليه مخلوقاته وآلاؤه وغير معقول من حيث التكيف والتحديد لأن ذلك فوق مستوى العقل والعلم الإنساني ولا شك أن الله تبارك وتعالى عندما وصف لنا ذاته العلية إنما أراد منا أن نعرفه بها ونؤمن بحقائقها وننفي عنها المشابهة فلا يحق لنا أن نعطلها بالتأويل ولا نفرق بين السمع والاستواء ولا بين البصر والنزول لأن الكل قد ورد عن رسول الله والقصد من كل هذا هو أنه لا ينبغي أن ينكر الإنسان وجود الله كما لا ينبغي أن يجهل حقيقته ويحاول أن يتمثله في عين من الأعيان أو عرض من الأعراض أو قوة من القوى الكامنة وراء المادة بل يجب أن يعرف أن له ربا هو الخالق لجميع الموجودات المدبر لشؤون الكائنات اتصف بجميع صفات الكمال التي منها كمال الذات وأحاط بما في هذه الدنيا من الأرض والسماوات (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) (يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) إذ هو مصدر جميع الخيرات وهو المتكفّل برزق العباد الذي لا يخشى الفقر حتى يبخل ولا يتأثر بالمعاصي حتى يقتر روى الأمام أحمد عن أبي هريرة قال «إن يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه، قال: وعرشه على الماء وفي يده الأخرى القبض يرفع ويخفض، وقال يقول الله: أنفق أنفق عليك» (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ) وهم متأثرون بما يقولون عن بخل الله وفقره (مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ) أيها الرسول (مِنْ رَبِّكَ) من القرآن الذي هو سبيل الهداية (طُغْيَانًا) أي تمردا واعتدادا بالنفس إذ يحسبون أن ما هم فيه من غنى أو علم لم يكن من فضل الله (وَكُفْرًا) بالله إذ يقولون لماذا لم يوسع الله على محمد وصحبه بمثل ما نحن فيه من رغد العيش وسعة الرزق لو كان على حق (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ) بسبب هذا الطغيان والكفر (الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) حيث لا داعي من الدين يدعوهم إلى الاتحاد