الصفحة 647 من 1760

الدنيا والخضوع لكل ذي سلطان وشريعتك هي الشريعة السمحة الوسطى الدائمة وقد جعلها الله ناسخة لما سبقها ومتمشية مع ما يناسب ارتقاء ذهن البشر وكمال الدين (وَلَوْ شَاءَ اللهُ) أن يوحد بين شرائعكم (لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) متحدة في أفكارها وأخلاقها وطبائعها كسائر أنواع الخلق التي يقف استعدادها عند حد معين كالنمل والنحل وما شابه ذلك (وَلَكِنْ) لم يشأ سبحانه ذلك وجعل الجنس البشري نوعا ممتازًا على باقي المخلوقات يرتقي في أطوار حياته بالتدريح وعلى سنة الإرتقاء فلا تصلح له شريعة واحدة في كل أطوار حياته وبمقتضى هذا كان لكل رسول شرعة ومنهاجا يتمشى مع العصر لذي يعيش فيه (لِيَبْلُوَكُمْ) أي ليختبركم (فِي مَا آتَاكُمْ) من عقول وقوى هل توجهونها التوجيه الصحيح وتستعملونها فيما خلقت له وطبق ما دعتكم إليه شرائعكم أم لا؟ وما دام الأمر

كذلك (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) أي فالواجب يقضي عليكم أن تبادروا وتسارعوا إلى فعل كل ما يعود عليكم بالخير من العقائد السليمة والأعمال الصالحة (إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) أي ولا تجعلوا من الشرائع سببا في الاختلاف والعداوة التي لا يرضى بها الله وقد تكفل ببيان حقائقها لكم يوم القيامة (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ) عليك (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) أي لا تجاريهم في آرائهم ولو بشيء من المجاملة التي تحاول بها تأليف قلوبهم وجذبهم إلى الإسلام فالحق لا يتوسل إليه بالباطل (وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ) أي يستدرجوك إلى الخطأ ويستنزلوك (عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ) لتحكم بغيره. روى ابن عباس قال: قال كعب بن أسد وعبد الله بن حوريا وشماس بن قيس من اليهود اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه فأتوه فقالوا يا محمد أنت عرفت أنَّا أحبار اليهود وأشرافهم وسادتهم وأنَّا إن اتبعناك اتبعنا اليهود ولم يخالفونا وإن بيننا وبين قومنا خصومة وسنحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم ونؤمن لك ونصدقك فأبى ذلك وأنزل الله فيهم هذه الآية (فَإِنْ تَوَلَّوْا) عن حكمك بعد تحاكمهم إليك (فَاعْلَمْ) أي فاستنتج من توليهم هذا (أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ) أي أن إرادة الله قد قضت (أَنْ يُصِيبَهُمْ) العذاب (بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ) أي بسبب ما ارتكبوه من ذنوب في أساس العقيدة التي منها اضطرابهم في دينهم وعدم انقيادهم لأحكام التوراة ولولا ذلك لطرقوا سبل الهداية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت