@ومهما تكن عند امرئ من خليقة
#وإن خالها تخفى على الناس تعلم
(وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) جزاء على فساد قلوبهم الذي هو منشأ فساد الأعمال في الحياة الدنيا (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ) أعاد الله وصفهم بكثرة سماع الكذب لتأكيد ما قبله إشارة إلى ما كان من طبائع بني إسرائيل (أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) بضم السين وإسكان الحاء وضمها، ما خبث وما قبح من المكاسب غير المشروعة التي تجلب العار بحيث يخفيها صاحبها
كالرشوة مثلا قال الحسن كان الحاكم في بني إسرائيل إذا أتاه من هو مبطل في دعواه برشوة سمع كلامه ولا يلتفت إلى خصمه فكان يسمع للكذب ويأكل السحت (فَإِنْ جَاءُوكَ) متحاكمين (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) أي فأنت مخير بين الحكم فيهم والإعراض عنهم وتركهم إلى رؤسائهم (وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا) أي فليس لهم عليك من سبيل وسوف لا يؤاخذاك الله على عدم الحكم بينهم فهم لم يحكموك واثقين من عدلك بل طمعا في أن يجدوا عندك سبيلا لإرضاء شهواتهم فإن حكمت لهم بما يرضيهم أطاعوك وإلا أعرضوا عنك (وَإِنْ حَكَمْتَ) أي وأنت إن قبلت الحكم بينهم (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ) أي فأنت مقيد بالحكم بالعدل لا بما يوافق أهواءهم (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) الملتزمين واجب العدل (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ) ويؤثرونك على رؤسائهم (وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ) أي وهم أصحاب شريعة يزعمون التمسك بما فيها من أحكام الله (ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ) عنها (مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) أي من بعد زعمهم الإيمان بها ويرغبون عنها ويتحاكمون إلى نبي جاء بشريعة أخرى (وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) بك ولا بشريعتك فهذا هو السبب في ترك الخيار لك في الحكم بينهم أو الإعراض عنهم.
بعد أن خيّر الله نبيّه في الحكم بين بني إسرائيل أو الإعراض عنهم وبين له تعالى السبب في ذلك وهو إعراضهم عن حكم التوراة التي بين أيديهم وقال (وما أولئك بالمؤمنين) أخذ يوضح مزايا التوراة والإنجيل ويؤكد أن ما فيها من الأحكام صادر منه حيث قال (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ) كتابا مقدسا صادرا