أن يقدم أحد على سرقته فإنه تعالى (حَكِيمٌ) إذ شرع ذلك لحكمة سامية هي أن يطمئن الناس على أموالهم وتتوفر الثقة فيما بينهم (أَلَمْ تَعْلَمْ) أيها السامع لهذا الخطاب (أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) قد سن دستورا أبلغه لعباده يقضي فيما يقضي به أنه تعالى (يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ) فاعل يشاء عائد إلى أقرب مذكور هو من أي من يشاء لنفسه العذاب باقتراف السيئات التي يستحق عليها الجزاء فلو لم يسرق السارق لما قطعت يده ولما جلب لنفسه هذه الفضيحة التي لا تمحي (وَيَغْفِرُ) الله (لِمَنْ يَشَاء) لنفسه الغفران برجوعه إلى الله بالتوبة والندم والدعاء وصالح العمل فلا يؤخذ السارق التائب على سرقته يوم القيامة وإنما يتقاضى المسروق حقه منه إذ ذاك (وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ) من التعذيب والغفران (قَدِيرٌ) فمن سلك السبيل لأحدهما فقد شاء ذلك لنفسه فلا يعجزه تعالى أن ينيله غايته على مسئوليته الشخصية.
بعد أن بيّن الله أحكامه العامة في حق من يفسد في الأرض ويقطع الطرق أو يأكل أموال الناس خلسة مما يسبب اختلال الأمن وشيوع الفوضى أراد أن يسرِّى عن رسوله من أمر كان يحزنه ويحزّ في نفسه من أناس تتناقض أفعالهم
وأقوالهم ولا يستطيع الإنسان أن يعرف حقيقة أمرهم لما جبلوا عليه من النّفاق وكأنه كان يود أن ينزل في حقهم تشريع يرد عنهم ذلك الطبع الذميم فقال (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ) لقد خاطب الله خاتم أنبيائه بوصفه رسولا إشارة إلى أن مهمته مقصورة على ذلك فقط كما خاطبه بهذه الصفة في بضع آيات أخر من هذه السورة وخاطبه في بضع سور بصفة النبي (يا أيها النبي) ولم يخاطبه قط باسمه فقط مجردا عن الصفة تكريما وتشريفا له وبيانا إلى أن ما طلب منه لم يكن موجها لشخصه غير أن بعض السذج من الأعراب لم يلاحظوا هذا الأمر فكانوا ينادونه باسمه الشريف «يا محمد» فأنزل الله نصا خاصا بالنهي عن هذا حيث قال (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا) فلم يعد إلى ندائه صلى الله عليه وسلم باسمه أحد بعد ذلك وإن مما يؤسف له أن الكثير من المفسرين لم يفطنوا لهذا الأمر فصاروا يستعملون كلمة «يا محمد» عند خطاب الله لرسوله في كثير من المواضع حتى فيما لم يذكر فيها النداء