الصفحة 640 من 1760

إعلاء كلمته ونشر دعوته بكل ما تستطيعون (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي تفوزون بمنتهى السعادة في الدارين فمدار السعادة والفلاح عائد إلى الإنسان نفسه وما يضمره من تقوى وما يقدمه من عمل وجهاد للنفس لا ما يأتي من الخارج كما يتوهمه النصارى من الفداء وما يتوهمه غيرهم من التوسل والشفاعة وما أشبه ذلك ولذا قال (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) بالله فلم يخافوا بأسه ولم ينشدوا رضوانه وفق تعاليمه (لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) من مال وجاه (وَمِثْلَهُ مَعَهُ) وبذلوا كل ذلك في هذه الحياة لالتماس الوسائط والشفعاء والإكثار من عمل الخير الذي لا يكون منبعثا عن خوف الله ومن أجل مرضاته (لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ) ذلك لأن جل وعلا قد أخطر عباده بأنه لا ينفع الإنسان في ذلك اليوم إلا ما قدمت يداه في قوله (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى) (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) في الآخرة يبلغ من هوله أنهم (يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ) دون غيرهم (عَذَابٌ مُقِيمٌ) أي ثابت لا يضطرب ولا يختلف.

بعد أن بيّن حكمه في قاطعي الطريق المبتغين الفساد في الأرض بترويع الآمنين وأكل أموالهم جهرة بالقوة وأشار إلى ما من شأنه أن يقضى على الإجرام من أساسه عن طريق الوازع النفسي وهو تقوى الله والعمل لمرضاته أراد أن يبين حكمه في من يأكل أموال الناس خفية عن طريق السرقة دون أن يكون له من نفسه ما يردعه عن ذلك الأمر الذي يتنافى مع الأمانة التي أوجبها الله على عباده والتي إن فقدت يختل نظام المعاملات بين الناس في هذه الحياة فقال

(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) أي إذا سرق الرجل تقطع يده وإذا سرقت المرأة تقطع يدها (جَزَاءً بِمَا كَسَبَا) أي على ما أقدم عليه كل منهما من سرقة الآمنين الغافلين دون علم منهم (نَكَالًا مِنَ اللَّهِ) أي ليكون للقطع عبرة لغيرهما فإن قطع اليد مما يسبب فضيحة السارق وسمته بالذل والعار أمام الناس فلا يقدم أحد على مثل فعله أبدًا وقد اختلف الفقهاء في المقدار المسروق الذي يوجب القطع وقد ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله «لا قطع إلا في ربع دينار» فيخرج عن ذلك ما لو كان المسروق شيئا تافها لا يتأذى بفقدانه المسروق منه (وَاللهُ عَزِيزٌ) لم يضع هذا الحد خشية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت