وتزكية نفسه في الدنيا ومنتهى السعادة في الآخرة (فَبِمَا نَقْضِهِمْ) أي بسبب نقضهم (مِيثَاقَهُمْ) الذي واثقناهم به بسلوكهم السبيل المؤدي إلى غضب الله (لَعَنَّاهُمْ) أي أغضبونا فاستحقوا لعنتنا والبعد من رحمتنا التي لا ينالها إلا من يطلبها (وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً) وقرئ «قسيّة» بتشديد الياء نتيجة لمخالفتهم لتلك الأحكام التي هي بمثابة وصفة طبية لعلاج النفس فالصلاة التي هي الصلة بين الله والعبد من شأنها أن تحد من كبرياء النفس وتخضعها لأوامر باريها كما أن الزكاة التي هي صلة التراحم بين الناس من شانها أن تروض النفس على التخلي عن جزء من المال الذي هو أحب شيء لديها ابتغاء مرضاة الله. والإيمان بالرسل وتعزيزهم إذعان لله وحده بالألوهية واعتراف لهم بالرسالة وهذا من شأنه أن يوحد الأديان ويجمع الكلمة على طاعة الله دون سواه والإقراض لله دليل على كمال الثقة به واليقين الكامل بصحة وعده وهذا من شأنه أن يؤدي إلى إخلاص الأعمال كلها لله والتفاني في حبه والتقرب منه فلما نقض بنوا إسرائيل الميثاق وأهملوا استعمال تلك الوصفة الطبية أو العلاج الروحي لنفوسهم قست قلوبهم بفطرتها فبعدت عن الله ولم تعد تخضع لأحكامه ولم تعمل لرضاه وكان هذا بتقدير الله الذي جعل لتلك الأحكام ما ذكر من خواص وهذا مما جنوه على أنفسهم ولا يعني أن الله قد قضى عليهم باللعنة وقسوة القلب من غير ذنب وقد ترتب على ذلك أنهم أصبحوا
(يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ) أي يبيحون لأنفسهم أن يتصرفوا فيما أنزل عليهم من التوراة زيادة ونقصًا في اللفظ والمعنى ولا أدل على هذا من التوراة التي كتبها موسى وأخذ العهد والميثاق على بني إسرائيل بحفظها قد فقدت باتفاق مؤرخي اليهود والنصارى عند سبي البابليين لليهود ولم يكن عندهم إلا هذه النسخة ولم يكونوا يستظهرونها كما كان المسلمون يستظهرون القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
وهناك أسفار خمسة ينسبونها إلى موسى فيها خبر كتابة التوراة وأخذ العهد عليهم بحفظها ولا شك أن هذا ليس منها قطعًا وفيها خبر موته وأنه لم يقم بعده أحد مثله إلى الوقت الذي كتب فيه سفر تثنية الاشتراع وفي هذا أكبر دليل على أن الكاتب كان بعد موسى بردح من الزمن طويل كما أن فيها كثيرًا