الأخلاق وسائر المكرمات والجامع لخلاصة ما سبقه من الديانات (دِينًا) قيما متمشيًا مع العقل والمنطق السليم وبعيدًا عن البدع والخرافات وسيء المعتقدات هذا الدين الذي لا يحل غير الطيبات ولا يحرم إلا ما فيه فساد الكائنات (فَمَنِ اضْطُرَّ) إلى مخالفة شيء من أحكام هذا الدين الذي رضيه الله له (فِي مَخْمَصَةٍ) أي في حالة توازي المخمصة وهي سد الجوع التي تخمص البطن بمعنى أنها تشرف على الهلاك حال كونه (غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ) أي غير مائل إليه أو راغب فيه بقلبه أو متجاوز في ذلك قدر الضرورة (فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) لا يؤاخذ الإنسان على ذلك لما يعلمه من أمر اضطراره إليه وعدم رغبته فيه بقلبه.
لقد بين الله لرسوله ما يحل وما يحرم من المطعومات والأعمال التي كانت عليها قريش في عهد الجاهلية ولما كانت شريعته عليه الصلاة والسلام متممة لما سبقها من الشرائع وناسخة لبعض أحكامها أخذ يملي سبحانه وتعالى على رسوله قاعدة كلية من قواعد الشريعة الإسلامية التي ينبغي أن يسار عليها في معرفة ما يحل وما يحرم بالنسبة لتلك الشرائع فقال (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ) في أثناء تعاملهم مع أهل الكتاب مما هو حلال أو حرام عندهم (قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) والطيب كل ما ليس فيه ضرر بالنفس أو الجسم وأما ما يضركم فهو خبيث محرم عليكم وقد شرح الله الخبيث فيما حرمه في الآيات السابقة (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ) جمع جارحة وهي الصائدة من الكلاب والفهود والطيور بواسطة (مُكَلِّبِينَ) مختصين والمكلب هو مؤدب
الجوارح ومروض السباع (تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ) ما حل صيده ومع مراعاة استمرار تعهد الجوارح بالتعليم لأن إغفالها ينسيها ما تعلمت فتصطاد لنفسها ولا تمسك لصاحبها وإمساكها له شرط في حل صيدها له (فَكُلُوا) هذا جواب لقوله تعالى وما علمتم من الجوارح (مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) أي فكلوا من الصيد ما تصيده لأجلكم (وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ) ظاهر هذا أن التسمية عند الأكل غير أن ما ورد عن رسول الله يدل على أن المراد بالتسمية عند إرسال الجوارح حيث قال «إذا أرسلت كلبك وسميت فأخذ فقتل فكل» وفي رواية «فإن وجدت مع كلبك كلبًا غيره وقد قتل فلا تأكل فإنك