ليست سرًّا خفيًّا مجهولًا حتى يخرصون فيه بل هي التي أعلنها للناس في كتبه وعلى لسان رسله، ليؤاخذهم بمقتضاها حيث ختم الآية بقوله {قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون} بمعنى تظنون وتخمنون والواقع خلاف ذلك فالله جل جلاله لم يشأ الكفر والضلال لشخص بعينه من عباده وإنما شاء للناس أن يكونوا جميعًا أحرارًا بكل معنى الكلمة في النية والقول والعمل لا مسخرين لمجرد الطاعة كالملائكة ولا العصيان كإبليس وقضى لهم بالحياة في الدنيا وأخبرهم بأنه خلق جنة ونارًا وفصل لهم ما يرضيه وما يغضبه من أعمالهم وأعلنهم بما يقتضيه قدره من أن الإيمان والعمل الصالح سبيل الغفران ودخول الجنة والكفر والعصيان موجب للعذاب في جهنم، وأن من حقهم أن يشاؤوا لأنفسهم ما يريدون من سلوك أحد الطريقين فهو يغفر لمن يشاء المغفرة ويعذب من يشاء العذاب {وهديناه النجدين} وأنه تعالى {لا يرضى لعباده الكفر} فلا يعقل أن يشاءهم عليهم ولكنه لتثبيت ما منحه لهم من خيار مطلق أكد لهم أنه تعالى سيحقق لهم آمالهم ولو كانت خلافًا لما يرضيه حيث قال {ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين} وأخبرنا بما يعلمه من أحوال الناس ومدى تفكيرهم وغاياتهم فقال {فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب} وما ذلك إلا ليرشدهم إلى ما فيه صلاحهم في الدنيا والآخرة فإذا هم أبوا بعد كل هذا إلا أن يعملوا بغير ما يرضي الله ويسلكوا سبيل الضلال وعذبوا على ذلك يوم القيامة فلا شك أن معنى هذا أن الله قد شاء لهم العذاب بمعنى طبق فيهم حكم المشيئة ومن هذا قوله تعالى واختار موسى قومه سبعين رجلًا