الصفحة 574 من 1760

أمرها إلى أمر قد فرغ الله منه، بل علينا أن نعمل لنيلها حسب تعليماته بحسب ما قضت به مشيئته وبمحض فضله وهو لا يرجع في وعده ولا ينقض دستوره وأنا لا أقصد أن أنفي مشيئة الله السابقة أو أن أثبت للعبد مشيئته فوق مشيئة الله بل أقول إنها مستمدة منها وأن مشيئته تعالى هي نظامه وسننه التي شاء الناس عليها من الأزل كما جاء ذلك صراحة في قوله {إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين} أي إلا أن تكون مشيئتكم مطابقة لمشيئة الله التي أعلنها من قبل من خير وشر إذ ليس معنى قوله تعالى {إلا أن يشاء الله} إن مشيئته تعالى حاصلة بعد مشيئة العبد بل المراد أن تكون مشيئة العبد في حدود مشيئة الله الأزلية وكذلك الحال في قوله لرسوله صلى الله عليه وسلم عندما دعا لعمه بالهداية {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} أي: إن الهداية لا تنال لمن أحب الرسول له الهداية ولكنها منة من الله يهبها من يشاؤها فلو شاءها عمه لمنحها الله له ولكنه لم يطلبها ولا يعمل لها ولذلك سوف لا ينالها لأن الله قد صرح في عدة آيات من القرآن بأن من دستوره أنه {لا يهدي القوم الظالمين} {لا يهدي القوم الكافرين} أما الذين يقيدون الضمير في يشاء إلى الله فإنهم ينسبون إلى الله عدم بره بوعده وتقيده بأحكامه التي أعلنها للناس في كتبه وعلى لسان رسله وهم لا يشعرون ويخالفون الحديث يدل على أن المغفرة والرحمة وعائدتان إلى عمل الإنسان وفق مشيئة الله السابقة الأمر الذي أدى بالناس اليوم إلى نسبة كل ما يقترفونه من المعاصي والسيئات والكفر والضلال إلى الله جل وعلا وبهذا يصدق عليهم ما حكاه الله في كتابه الكريم عن المشركين إذ يقول {وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا} وقد أمر الله رسوله أن يصحح هذه العقيدة ويفهمهم أن مشيئته تعالى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت