الصفحة 569 من 1760

مسيّر لا مخيّر حتى أني عندما وضعت قصيدتي «مناجاة الله» في عام 1935 وعالجت فيها موضوع القضاء والقدر معالجة دقيقة على ضوء ما تلقيناه من مشايخنا قلت في الهامش والحقيقة أنا مسيرون رغم قولنا إننا مخيرون. ثم إنه عندما هداني الله إلى فهم كلامه فهمًا صحيحًا عدلت عن هذا الرأي وتكلمت عنه في كتابي أسمى الرسالات ثم أفردت البحث عنه في رسالتي «هل الله مستبد» وأثبت فيهما أن الإنسان مخير كل التخيير ومؤاخذ بعمله أمام ربه وأمام نفسه وأمام الناس والذي ساعدني على ذلك هو عدم تأثري بما يقوله علماء اللغة من ترادف الكلمات وأن الإرادة والمشيئة شيء واحد فلما أن فرقت بينهما وقسمت المشيئة إلى قسمين قضاء وقدر انحلت تلك العقدة التي كنت أجدها في نفسي وأدركت تمامًا أن مشيئة الله العظمى قد قضت بأن يكون للناس كامل الحرية في أن يشاؤوا لأنفسهم ما يريدون ضمن دائرة أحكام الله القدرية وعلى أساس هذه المشيئة التي منحها الله لهم فإنه تعالى سيحاسبهم في الآخرة وبهذا ينتفي الاستبداد ولم يعد هناك مجال لنسبة الظلم إلى الله بل إلى العبد نفسه وفقًا لقوله تعالى {وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} وقد طبقت هذا المعنى على جميع الآيات الواردة في هذا الشأن في القرآن فكانت النتيجة واحدة تؤيدها آيات أخرى من القرآن وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم. وأيقنت أنه لا سبيل لإثبات التخيير للعبد إلا عن طريق إعادة الضمير في يشاء إلى العبد لا إلى الله وفق قاعدة أساسية في اللغة ليس فيها ما يتعارض مع الحقيقة من هدي القرآن والسنة.

ولزيادة الإيضاح أقرر هنا أن إرادة الله سر من أسراره الخفية التي لا يعلم بها أحد سواه وأما مشيئته فإنها أحكامه التي يحمل المخلوقات عليها حملًا وهي تشتمل ما يحبه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت